الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ندلهم على النجاة أم ندفعهم للغرق..؟!

حسين الرواشدة

الأحد 4 كانون الثاني / يناير 2015.
عدد المقالات: 2545

اسهل ما يمكن ان نفعله تجاه ابنائنا الذين وقعوا في مصيدة “التطرف” هو ان نلعنهم ونحاكمهم او ان نحجر عليهم ، لكننا لم ننتبه الى ان كل هذه الوسائل التي نستخدمها لاعادتهم الى جادة “الصواب” ستصب في الاتجاه المعاكس، وستكون بمثابة مصادر تغذية لفكرة التطرف التي دخلت الى رؤوسهم، وتحولت لدى بعضهم الى عقيدة.
لا اتحدث هنا عن اهمية الاجراءات الامنية ضد الذين تورطوا “بالعنف” مهما كانت دوافعه واشكاله، ولكنني اشير الى ضحايا الافكار المتطرفة الذين انسدت امامهم ابواب “الحياة” فوجدوا انفسهم يقفزون من الشبابيك الى المجهول، هؤلاء لم يجدوا من يدلهم على الطريق الصحيح، ولا من يفتح امامهم ما يلزم من فرص للمعرفة او لفهم الدين او للاحساس بمعنى الحياة الكريمة، فأخذتهم اقدامهم الى حقول مليئة بالاشواك والاحساك لكنها في موازينهم افضل من الحقول التي يعيشون فيها، يكفي انها بالنسبة لهم تمنحهم ما افتقدوه من امل بالتغيير، ومن احلام -ان شئت من اوهام - حرموا منها، ومن طاقات مهدورة لم يجدوا قنوات مشروعة لكي يصرفوها من خلالها .
لا ادافع عن “ضلالات” هؤلاء الشباب، فهي لا يمكن تبريرها، ولكنني اعتقد انهم يستحقون ان ندافع عنهم، فهم - كما ذكرت- ضحايا لتقصيرنا وانشغالنا واخطائنا، وقبل ان نحاسبهم على “ضلالاتهم” لا بد ان نسأل أنفسنا ونحاسب مجتمعنا على ما ارتكبه بحقهم من اهمال.
الآن لدينا مئات الشباب المتهمين او المتورطين بالتطرف، ومن واجبنا ان نتعامل معهم بمنطق من يريد ان يؤدب لا من يؤنب، وبمنطق المعالجة لا منطق المعاقبة، اما كبف ؟ فهذا يحتاج الى حديث طويل، الخطوة الاولى فيه ان نعترف بان التطرف يشبه الوباء تماما، له اسبابه ومناخاته وله وسائل للوقاية منه ومعالجته، وبالتالي فان هؤلاء الشباب المتطرفين مرضى ومصابون، وليسوا مجرمين، ويتوجب علينا ان نبحث عن الاسباب التي اوقعتهم في المرض، وعن المناخات التي سمحت للجراثيم ان تصل الى عقولهم، اما الخطوة الثانية فتتعلق بضرورة “معاينة” البيئة التي خرجت منها فكرة التطرف، ثم تحديد العوامل التي جعلت من هذه البيئة ارضا خصبة لنمو فسائل هذه الفكرة وانتشارها، سواء اكانت سياسية ام اقتصادية ام دينية، متعلقة بالذات أو بالآخر، بالداخل او بالخارج والمحيط، ولا شك بانها معروفة لكننا للاسف ما نزال نغطي عليها ونهرب من الاعتراف بها، لكن لا بد ان ندرك تماما ان مواجهة التطرف ومحاولة “هداية “ المتطرفين لا يمكن ان تتم الا اذا تعهدنا هذه البيئة الحاضنة بما يلزم من اهتمام ورعاية، وازلنا منها كل المصادر التي تغذي التطرف وتشجعه على البقاء والنماء.
تهيئة البيئة الجديدة تحتاج -ايضا- الى افكار ايجابية جديدة، والى ممارسات موثوق بها، وهذه تدخلنا الى الخطوة الثالثة وبوابتها الوحيدة هي الحوار وجها لوجه مع هؤلاء الذين تعرضوا “لوعكة “ التطرف، والحوار ليس مجرد  كلام وعظي او ردود على اسئلة او محاولة لافحام الخصم، وانما “حركة” تستهدف هز الذات ودفعها الى التفكير مجددا في واقعها والتأمل بقناعاتها ومراجعة مواقفها، وهي رحلة طويلة تحتاج الى خبراء ومتخصصين ثقاة، كما تحتاج الى تقديم نماذج ملهمة، وادلة على امكانية التغيير، والاهم من ذلك ان نقدم ضمانات وفرصا عملية لهؤلاء الشباب تقنعهم بان الحياة افضل من الموت، وان الاعتدال افضل طريق لتحقيق الذات، ولعمارة الدنيا والآخرة معا.
نخطئ بالطبع حين نعتقد ان هؤلاء الشباب المتطرفين شياطين لا يمكن اصلاحهم ، ونخطئ ثانيا حين نقلعهم من المجتمع ونودعهم في السجون، ونخطئ ثالثا حين نتصور ان التعامل معهم بمنطق العصا والقانون سيردعهم وسيعيدهم الينا معتدلين، ونخطئ رابعا حين نتوهم انهم يتحملون وحدهم  وزر انحرافهم وبأننا لسنا مسؤولين ولا شركاء فيما اصابهم، واذا كان لدينا الرغبة في تجاوز مثل هذه الاخطاء (هل اقول التكفير عنها ؟) لا بد ان ننهض جميعا لقراءة خرائط الشباب في بلادنا، والتدقيق بمشكلاتهم وقضاياهم، والتعرف إلى مطالبهم وطموحاتهم، ولا بد من فحص التربة التي خرجت منها الافكار المتطرفة ومعالجة الآفات التي اصابتها.
باختصار، الطريق الى مواجهة التطرف تمر من محطات عديدة، منها محطة التخلص من تطرفنا تجاه الشباب، ومحطة التهميش الذي اوصلهم الى “ ابغض الحرام”، ومحطة اليأس الذي اوقعهم في “ غواية “ الانحراف نحو البديل الأسوأ، واخيرا محطة “عزلهم” في الظلام بدلا من وضعهم في اماكن يدخلها ضوء الشمس، ويقابلون فيها من يأخذ بأيديهم الى النجاة ..لا من يدفعهم الى الغرق..

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش