الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لَو لَم أجد فراغاً في المَشْهد النقدي لَما أجْهَدْتُ نَفْسِي في الكتابة النقديّة

تم نشره في الجمعة 16 كانون الثاني / يناير 2015. 02:00 مـساءً

حاوره: نضال القاسم
 
هادي دانيال، شاعر وكاتب ومفكر سياسي سوري من مواليد قرية كفرية باللاذقية سنة 1956، ربط مصيره بقضايا الأمة العربية التي يعتبر الالتزام بها واجباً وطنياً وإنسانياً، وأمضى أكثر من ثلثي حياته متنقلاً بين العواصم والدول قبل أن يجد مستقراً له في العاصمة التونسية.
وقد أصدر دانيال حتى الآن أكثر من ثلاثين كتاباً، بينها سبع عشرة مجموعة شعرية، ويتميز إنتاجه بالروح الوطنية العالية، وبتشوقه الشديد إلى العدالة والحرية، وثورته العنيفة على التقاليد الموروثة، مما يبعث في نفوس الجماهير روح الكفاح والصمود.
ويأخذ دانيال تميزه من الحرية الإبداعية التي تعمق دلالات اختياراته النصية، وهو يبتعد عن التماثل والتشابه مع الحالات الشعرية الأخرى، من خلال استعمال لغة خاصة وأسلوب خاص ومفردة استثنائية ليحصل على النص الشعري الخاص به، الذي يمثل مكنونه وإرثه الخاص أيضاً، وبهذا استطاع أن ينجز أعماله الشعرية: رؤى الفتى، أناشيد النورس، غليون لتدخين الأحلام، عشبة على حجر، رأس تداولته القبعات، كأن الردى بردى، كمائن الورد والنبيذ، الرياح بين جناحي، ربيع متأخر، عندما البلاد في الضباب والذئاب، وآخرها صدر هذا العام بعنوان: خريف من أجل حطابي السماء عن دار نقوش عربية بتونس.
وإلى جانب دواوين شعره، أسهم هادي دانيال  في تغذية النهضة الفكرية في العالم العربي فأنجز ما يربو على عشرة كتب تشعبت بين النقد الثقافي والسينما والفكر السياسي، وقد صدر له في هذا المجال: أسئلة الأدب التونسي- نقد ثقافي وحميد سعيد وعياً شعرياً مقاوماً وقراءاتي في الأدب التونسي وفلسطين المبدعة/ قراءة في الإبداع الفلسطيني وأسئلة الفكر التونسي وثورات الفوضى الخلاقة- سلال فارغة وحروب المصالح الصهيو أمريكية- محرقة البشرية وحوار مع السينما: السم في الصورة ومؤامرة الربيع العربي...القضية الفلسطينية والربيع العربي يتمخض عن خريف إسلامي بغيوم صهيونية وأوهام الربيع العربي- الوعي القطيعي وسورية التي غيّرت وجه العالم.   

«الدستور» التقت الشاعر هادي دانيال وحاورته حول عدة قضايا تتعلق بتجربته الشعرية، وحول خصوصية منهله ونبعه، فكان هذا الحوار...

] هادي دانيال، أنت شاعر وناقد ومفكر وتكتب أيضا المقال الفكري، برأيك كيف يمكن لكلّ هذه التركيبة المتشعبة أن تنسجم في شخص واحد، وإلى أي خانة مِن هذه الخانات تريد أن تنتسب؟ وهل أنت راض عن مسيرتك حتى الآن؟

-اللحظة التي قَطَعْتُ فيها حبْلَ السرّة مع دِمَشْقَ، لحظة مُغادَرتي الحدود السورية بطريقةٍ غير شرعيّة، مُلْقِيَاً بحاضِرِ كِيانِيَ وَمُستَقبَله على التراب اللبنانيّ. كُنْتُ حِينَها في السابعةِ عَشَرَة مِن عُمري، أُحَدِّقُ في شَمسٍ طَريّة، أشعّتُُها تُغَذّي في قلبيَ الأمَلَ والجَّسارَةَ وتَعبرُها غُيُومٌ تقْطر فتْنَةً غامِضَةً. تَحْتَ هكذا سَماء سرْتُ وَحيداً على دَرْبٍ قادَني مُباشَرَةً إلى منطقةِ  الفاكهاني  بينَ مُخَيَميّ صَبْرا وشاتيلا مِن جِهة والرَّوشة وشارع الحَمراء مِن جِهةٍ مُوازِية، هناك حيث غابَة البنادق الفلسطينيّة الثورية الوطنيّة الشعبيّة الديمقراطيّة قَدَّمْتُ نَفْسِيَ شاعِراً، فَخَضَعْتُ لأكثَر مِن اختِبار اجْتُزْتُها جميعاً، بإصْدارِ مَجموعاتِي الشعريّة الستّ الأولى، لكنّ الشِّعْرَ وَحْدَهُ ما كانَ كافِياً كي أكونَ فاعِلاً في تلك اللحظة التاريخيّة الاستثنائيّة التي عرَفها ذلك المكان والزّمان، فتفتَّحَتْ في وَعْيِيَ بِذارٌ حملتُها معي مِن سوريا، أبرزها: الحسّ الوطني، الحسّ الطبَقِيّ، والحسّ القوميّ، فتكوَّنَ وَنَضَجَ وَعييَ السياسيّ في صُفوفِ يسار الثورة الفلسطينيّة وبخاصّة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي عملتُ منذ أوائل سنة 1975حتى أواخر 1979محرراً ثقافياً وسكرتيراً لتحرير مجلتها المركزيّة/ الهَدَف، التي أسَّسَها الشهيد غسّان كنفاني. وَهُنا أعتَرِفُ بأنَّ تَزَامُنَ قراءة مُجَلَّدات أعمال غسان كَنَفانِي الكامِلة القصصِيَّة والروائيّة والمسرحيّة والنقديّة والفكريّة والصحفيّة تزامَنَتْ مَع بَدْءِ عَمليَ بمجلّةِ الهَدَف التي كانت مَكاتِبُها في كورنيش المزرعة تَعبقُ برائحةِ الشهيد غسّان كنفاني المؤسِّس ورئيس التحرير والقائد السياسي، وتَزْهُو بمُواصَلَةِ طريقتِهِ في مُمارَسَةِ وإدارَةِ وَتَوجيه العَمَل الصَّحفي. فَمِنْ هذهِ المَدرَسة تَخَرَّجْتُ صحفيّاً، وبما أنني تَعَرَّفْتُ في مكاتب هذه المجلة/ المَدرسة على زوج أبي فائز وأطفاله ورفاقه بَدْءاً مِن الرفيق الدكتور جورج حبش أيقونة النضال الفلسطيني المُعاصِر والرفيق بسّام أبو شريف الذي خَلف الرفيق غسان كنفاني في رئاسة تحرير الهَدَف، وُصُولاً إلى الرفيق عبد الرؤوف المسؤول عن صناعةِ وتوزيع القَهْوَة والشاي، فَقَد زادَنِي ذلكَ تأثُّراً بهذه الشخصيّة الاستثنائيّة في تاريخ العَمَل الفدائي الفلسطيني وتاريخ الثورة الفلسطينيّة، وربّما قراءتي المكثّفة لِمُدَوَّنة غسّان كنفاني واطّلاعِي على أعمالِهِ الفنّيّة وتفاصيل سِيرتِهِ المُضيئة، أسَّسَتْ في لا وَعْيِي هذا الاستِعداد لأن يجتَمِعَ في إهابي إلى جانبِ الشاعِر ناقِدٌ ثَقافِيّ وكاتِبٌ يعْنى بالفكْر السياسيّ. وَلئنْ كانَتْ طبيعة عَمَلي الصحفيّ في مجلّة الهَدَف واضطراري إلى سدّ الثَّغرات الطارئة، وَقَبْلَها وَبَعْدَها ما يقتضيه تأمينُ مُتَطَلّبات الحياة اليوميّة مِن كتابةِ مَقالات نَقدِيَّة في صحيفةِ السفير وغَيرها، ناهيكَ عَن أنَّ الشِّعْرَ ليسَ الشَّكْلَ التعبيريّ الناجِعَ دائماً للإفصاحِ عَن مَوقِفِكَ مِن هذه القضيَّة السياسيّة أو تلك، فاستَدْعى ذلكَ كُلّه مِنّي كتابة عشرات المَقالات السياسيّة، لكنني لم أفكّر بإصدارها في كتاب أو أكثر إلا بَعْدَ الخَطَر الذي تَلَمَّسْتُهُ في مؤامرة الربيع العربي التي تَمَّ تَقَبُّلُها بِوَعْيٍ قَطيَعيّ لَم يَقتَصِرْ على العامَّة بَل شَمَلَ النُّخَبَ السياسيّة والثقافيّة العرَبيَّة قَبْلَ غَيْرها، وكانَ لا بُدّ لِي أنْ أتَحَمَّلَ مَسؤولِيَّة قَوْل ما أراهُ وأدْرِكه، عندَما تَبَيَّنَ لِي أنَّ أحَداً آخَرَ لم يَرَه أو يُدْركْه، أوْ في أقَلِّهِ لم يُعَبِّرْ عَن رؤيتي وإدراكِي، إلا لاحِقاً، وغالِباً بَعْدَ سنَواتٍ مِن الخَرابِ والرَّمادِ والدِّماء.
 أمّا إلى أيّ مَجالات الكتابة أنسبُ نَفْسي وأرغبُ في أن ينسبني غيري، فبالتأكيد إلى الكتابة الشِّعْريّة، ذلكَ أنَّ مَشروعيَ الأساسَ والمُتواصِل هُو مَشروعٌ شِعريٌّ.
لكنَّ الرِّضا عن مسيرتي هُوَ نسبيٌّ، فإنْ قَصَدْتَ الرِّضا الأخلاقِيّ فأنا راضٍ لأنني لم أطلب في هذه المسيرةِ وَمِنْها أيّ مَنْفَعَة شخصيّة ماديّة أو مَعْنَويّة، ولم أسْعَ إلى سلطةٍ أتَبَوَّأها أو إلى سلطةٍ أسترضيها بَحْثاً عَن رَخاءٍ أو رَخاوَةٍ في ظلّها، فكُلّ ما يَعنيني كان ولا يزال أن يُنصِفَني التاريخ بغربالِهِ ذي الثُّقوب الواسِعة جدّا. ولكنني في ذات الوقت أتَحَسَّر على وَقْت كثير هَدرهُ الإنشغال بالشؤون السياسيّة وكان يجبُ استثمارُهُ قِراءَةً وكِتابَةً لصالِحِ مَشرُوعِيَ الشّعريّ، آمِلاً أن أعَوِّض في ما تبَقّى مِن العُمْرِ -وهو قليل- بَعْضَ ما فاتَني قراءته وهو كثير.
 
] سنة 1973 هُوَ تاريخُ صدور أوَّل مؤلَّفاتِكَ رؤى الفتى، وهي مجموعة شعريّة. بين قصائد رؤى الفتى وخريف مِن أجْلِ حَطّابيّ السَّماء، هَلْ مِن نَفَسٍ مُوَحِّد تَواصَلَ مَعَكَ مِن الإرهاصاتِ الأولى حتى الآن؟.

-قَبْلَ رؤى الفتى التي صدرت سنة 1980م أصْدَرْتُ في بيروت أيضاً بردى ووفود الجوع  سنة 1973 وأناشيد النورس سنة 1979، ولكنّ قصائد المجموعتين الأولى والثالثة كتبت سنة 1973، لذلك أدرجتُهما مُتتاليَتَين في المجلّد الأوّل مِن أعمالي الشعريّة، فَضْلاً عَن أنَّ قصائد أناشيد النورس مَثَّلَتْ مَرحلة تجريبيّة مُبَكِّرَة إلى حَدّ أنّ بعض النقّاد عَدَّها لَعِباً بكْراً وَخَطِراً بالكلمات، إلّا أنّ النَّفَس المُوَحِّد الذي تَواصَلَ مَعي منذ قصائد 1973 إلى قصائد خريف مِن أجْلِ حَطّابيّ السَّماء، الصادر سنة 2012 هو ذلك الإحساس المُركّب أو المُتشابك (الوطني الطبقي القومي) ونبرة التمرُّد الغاضبة والساخِرة، وعلى صعيد البناء الجمالي: الارتكاز على الصورة بمستوياتها البسيطة والمركبة إلخ، وتوظيف الإيقاع وتقنياته وخاصة التفعيلة والقافية في بناء القَفلة الصّادِمَة، إلا أنّ هذه المَهارات تتطَوَّر مِن مَجمُوعة إلى أخرى في مَسار لا يَخْفى فيه الهاجسُ التجريبيّ لاكتشاف مَهاراتٍ تُساعدُ في إثراء مُدَوَّنَةٍ دَيْدَنُ صاحِبها أن يَجعَلها في لَحظاتِ تَخَلُّقها أو تَلَقِّيها تتنافَسُ في جَماليّة البناءِ والأداء.

] مَتى أصابَتْكَ لَعنَة الحبْر؟ وهَلْ كانت الكتابة قَراراً أم قَدَراً؟ وماهي القضيّة الرئيسة عند هادي دانيال؟ وما الذي يمكن أن يقوله هادي دانيال وهو يرى في غابة النار أشجاراً مُشتعِلة، ذات أضواء سوداء تُلهِبُ أجسادَنا؟.

-عندي، هِيَ ليستْ لعنة بَل فضاء لِتأسيس كيان. بَدَأ الأمْرُ مع الحبر في السنةِ الأخيرة مِن المَرحَلةِ الابتدائية كَمُتَلَقٍّ مَسْحُورٍ بما تُلقيهِ شَجَرةُ الحبْر العَريقة بينَ يَدَيَّ مِن ثِمارٍ مُسْكِرَة فأدْمَنْتُ القِراءَةَ خارج المنهاج الدّراسيّ، وَقَدْ لا يكون مَفْهُوماً أنْ يَهجرَ تلميذٌ في المرحلة الإعداديّة كُتُبَ المدرسة مَفتونا بكتب جبران خليل جبران ونجيب محفوظ وطه حسين وأن يفرغ في الصف الثالث إعدادي مِن قراءة مجلدات الأغاني للأصفهاني والأعمال الشعرية للسياب والبياتي وحاوي وزياد ودرويش وقباني ناهيك عن المتنبي والبحتري وأبي نواس وابن الفارض ونديم محمد وروايات مترجمة لكتاب مثل غوركي وكازنتزاكي وهوغو وسومرست موم وهمنغواي وفوكنر وشولوخوف وأيتماتوف وكتب نقدية مثل ثورة الشعر الحديث بجزئيه اللذين ترجمهما عبد الغفار مكاوي ومثل كتاب الشعر والتجربة لماكليش، إلى جانب منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق التي كان بينها أجمل نتاجات أدباء وشعراء سوريا ذلك الوقت مثل الفرح ليس مهنتي لمحمد الماغوط، تلويحة الأيدي المُتعبة  لممدوح عدوان، الرعد لزكريا تامر، والومْض لحيدر حيدر إلخ. في الإبّان وَجَدْتُني أكتب نائما، وحين أستيقظ أفرغ ما أتذكره مِن كتابة المنامات على ورق، أرسله إلى بعض صحف ومجلات تلك الفترة. وبَلَغَ إيماني بأنَّ قَدَري هُوَ الحبْر وما يتشكَّل مِن حُروفه كالحبّ والحرب، أنْ اخْترْتُ الذّهابََ إلى مدينة الطبقة لتغطيةِ مرحلةٍ مِن مَراحِلِ بناء سدّ الفرات لصالح مجلة جيل الثورة لسان حال الاتحاد الوطني لطلبة سورية مُدَشّناً بذلك الجانبَ الصحفيّ مِن قَدَري الحبْريّ بإنجاز تحقيقٍ بعنوان سدّ الفرات في عيون الفقراء لاقى استياء وزير سد الفرات آنذاك، كما لاقى غَضَبَ والدي، لأنني أنجزتُ هذه المغامرة في وقت كانَ يَتَوَجَّبُ عليّ فيه أداء امتحان الشهادة الإعداديّة. فقد تزامنتْ المهمة الصحفية الأولى التي أتيحَتْ لي مع موعد امتحانات الشهادة الإعداديّة فاخترتُ الأولى. وبَعْدَ أشهُر مِن هذا الاختيار وَجَدْتُني أتدرَّبَ على تفكيك وتركيب البندقية الروسية الكلاشنكوف مع فدائيي الجبهة الثورية لتحرير فلسطين في الفاكهاني ببيروت، وكما ألمَحْتُ سابقاً، فمنذ ذلك الوقت أصبحتْ فلسطين ولاتزال قضيّة عقلي ووجدانيَ الأساس. فهناك تفتَّحَتْ في وَعْيِيَ بِذارٌ حَمَلْتُها مَعي مِن سوريا، فأنا نشأتُ في دَولةٍ تُرْضِعُ أطفالَها في المدارس وعبْر وسائل الإعلام الرسميّة ألِفَ باء الوطنيّة، فَضْلاً عَن تَلَقِّي وجْدانِيَ الطّفْل ما عَلقَ به مِن أصداءِ وقائع وتداعيات نكسة حزيران1967، وَعَن انْفِعالِ وجْدانِيَّ الفَتِيّ بمُفارَقاتِ حَرب تشرين وما نَجَمَ عَنها مِن تَحريرٍ لِمدينةِ القنيطرة أعادَها إلى أحْضانِ الوطَن مَساحاتٍ مِنَ الدَّمار تَعكس جانِباً مِن وَحْشيّةِ عَدُوّنا الصهيونيّ التي ما فتئ يُعَزِّزُها عاماً بَعْدَ عام منذ ثلاثيناتِ القَرْنِ المُنْصَرِم. وربّما كانَ لِحِرْصِي على قراءة مجلّتَيّ جيش الشعب الأسبوعيّة والجندي العربي الشهريّة اللتين كانتا تصدران عن دائرة التوجيه المعنويّ للجيش العربي السوريّ، قراءة شبه منتظمة، فضلاً عَن نشرهما محاولاتي الحبريّة الأولى على صفحاتهما إلى جانب صفحات مجلات فتح وجيل الثورة دوره في تغذيةِ هذا الحسّ الوطني، إلى جانب الحسّ القومي الذي يرضعه الطفلُ السوري مِن كتبه المدرسيّة ووسائل الإعلام الرسميّة كذلك، وهذا ربّما هو الذي دَفَعني إلى قراءة صحيفة فتح ومُراسَلتها وأنا في الخامسة عشرة من عمري، أمّا الحسّ الطبقي الذي جعلني أختار الانتماء إلى فصيل يساري في الثورة الفلسطينيّة آنذاك، فيَعُود عندي إلى أنني ابن عامل في شركة نسيج، وباشرتُ بنَفْسِيَ العَمَل في الشركة ذاتها (الخماسيّة) لثلاثة أشهر، وقَدْ تَوضَّحَ هذا الحسّ عندي مُبَكِّراً أيضاً بقراءة كاتب الثورة البلشفيّة مكسيم غوركي الذي فتَحَ أمامِي باباً سحريّاً على الأدب الروسي الذي ما زالَ يُزاحِمُ غَيْرَهُ مِنَ الآدابِ الأجنبيّة في مكتبتِي.
ستيناتُ وَسَبعيناتُ القرنِ الماضي كانَ وَقْتَ الأفكار والأحلام والآمال والطّموحات الكُبرى على مستُوى الأفراد والمُجتمَعات. وكانَ العَربُ في  سوريا والعراق ومصر بخاصّة يرنونَ إلى أن يكونوا أمَّةً ذات مكانٍ ومَكانة تَحْتَ شَمسِ التقدّم الحضاري الإنسانيّ، أمّا الآن وَبَعْدَ أن انْقَشَعَتْ الأوْهام عَن انهيار تلك الأحلام والطموحات ليَجدَ العربُ أنَّهم عشائر وقبائل وطوائف مِن الأعراب الأشدّ كفراً بالله والإنسان، يَحترقونَ بلَهَبِ نَفْطِ أرضِهِم ويَبيعُونَ الشيطانَ أرواحَهُم برَيْعِ هذا النَّفْط، وكما رَفَعُوا سابقاً المَصاحِفَ على أسنّةِ الرّماح يُخادِع بَعْضهم بَعْضا، يَذْهَبُونَ بَعيداً في تنفيذ مؤامرات الرأسماليّة وليبراليّتها المُتَوَحِّشة باسم الدّين الإسلاميّ مُسْتَحْضِرينَ أبَْشَعَ وأفْظَعَ ما شهده ليس تاريخَه فقط بل تاريخ البشريّة مِن قَسْوَةٍ وَوحْشيّة وانتِشاءٍ بتمزيق العَقلِ تَحْتَ حَوافِرِ الغرائزِ الهَمَجيّة في أقصى انْفِلاتاتِها. ولئن كُنْتُ أوَّل مَن حَذَّرَ بمقالاتٍ ثمَّ بكُتُبٍ عديدة، مِن هذا الخَطَر الذي بدأ مِنْ حَفْر الباطِن 1991، فغزو العراق واحتلاله 2003، فالعدوان على بيروت 2006، فمؤامرة الربيع العربي بَدْءاً مِن تونس أواخر 2010 أوائل 2011 فإنني الآنَ في حالٍ يُشْبِهُ حالَ زرقاء اليمامة التي لم يُصدّقها قومُها إلا بَعْدَ فَوات الأوان.

]  بالإضافة إلى تجربتك الشعريّة المُتَميّزة على المستوى العربي فقد قدَّمْتَ للمكتبة العربيّة إسهامات نقديّة مهمّة في مجال السينما والمسرح والنقد الأدبي، ما هو دافعك لكتابة النقد، هل هو حبّ التجديد وفرْض الذات، أم هُو الهُروب مِن قيُود الإبداع إيماناً بأنّه لا حدود لضفاف النّقد؟.
- رُبّما تُفاجَأ إذا قلتُ لكَ إنني بدأتُ مُحاولاتٍ نقديّة بالتزامُن مع مُحاولاتي الشعريّة وأنا في السادسة عشرة من عمري. وقد نشر الناقد خلدون الشمعة بعض هذه المُحاولات في مجلة الطليعة الأسبوعيّة التي كانت تصدر عن دار البعث بدمشق عندما كان خلدون الشمعة مشرفا على قسمها الثقافي، وأذكر أنّ من بين تلك المحاولات المنشورة قراءة تُبَيِّن مُحاكاة إن لم نقُلْ سَطْو الدكتور أحمد سليمان الأحمد على قصيدة سامبا للشاعر نزار قباني، وفي بيروت مارستُ هذا النشاط بكثافة في مجلة الهدف وجريدة السفير، وغيرهما. والذي يحدوني إلى هذا النقد الثقافي هُو تحريض المادّة الإبداعيّة التي أتلقّاها لِقَوْلِ ما لم يَقُلْهُ غيري بشأنها. فقد اعتادَ المَشْهَد الثقافي العربي على نَمَطَينِ مِن النَّقد إمّا انطِباعي الهَدَف مِنْه المَدْح أو القَدْح أو أكاديميّ يُسْقِط مناهج نقديّة قديمة أو حديثة على نصوصٍ بعَيْنِها إمّا لِشهرَة صاحبها أو لِغَرَضٍ خارج النَّقْد، وكلا النّمَطين لا يُغادِرُ سِياقَ العلاقاتِ العامّة. والمؤسِف هُو تَهْميش أهمّ شَرْط يجب بالضّرورة توَفُّره عند مَن يُقدِم على مُمارسَة الكتابة في مَجال النقد الثقافي بعامّة والأدبي بخاصّة، هو شرط تَوَفُّر الذائقة الإبداعيّة، فهذا الشرط قلّما يتوفَّر عندَ مَن يتنطّعون للقيام بهذه المهمّة.  
أمّا أنا فمَشروعيَ الأساس شِعريّ، ولَو لَم أجد فراغاً في المَشْهد النقدي لَما أجْهَدْتُ نَفْسِي في الكتابة النقديّة، تماماً كما حَصَلَ لي في الكتابة السياسيّة فَلَو وَجْدْتُ مَن تَصَدّى قَبْلِي لِمؤامرة الربيع العربي لَما أصْدَرْتُ ستّة كتب في الفكر السياسي منذ 2011 حتى الآن حَوْلَ مؤامَرة ترْمي إلى نَسْفِ ماضي وحاضر ومستقبل الحضارة الإنسانيّة. وما يُمكن الإشارة إليه هُنا أنّ مُعْظَم كتاباتي النقديّة في الشأن الثقافي كانت ولا تزال تترك أصداء عاصفة وتتسبب لي بمُضايقاتٍ تُلامِس حِصاريَ بلقمة العيش، لماذا؟
ربّما لأنني ألاحظُ ما لا يُلاحِظُهُ غيري، ولكن أيضا وهذا ما يُسبّب الزوابع هُو أنني لا أجَامِلُ ولا أتردد في الإشارة إلى مَواطِن الجّمال أو مَواطِن الرداءة في العمَل الإبداعيّ الذي أقرأه، ولهذا بقيتُ غَير مُحاطٍ بالأصدقاء مِن المُبدِعِينَ خاصّة. وإذا كانوا يزعمُونَ أنّ فوضى الربيع العربي قد حطَّمَتْ جدار الخوف مِن الأنظمة التي أطاحَتها إلا أنّها استبدلت ذلك الخوف بالتبعيّة للمُمَوِّل الخليجي والغربي، فالحريّة شَرط كلّ كتابة إبداعيّة بما في ذلك الكتابة النقديّة وَمَن يَنْتَقِدُ غيابَ الحريّة في  س  من البلدان لقاء أجْرٍ يَتقاضاه مِن بَلَدٍ آخَر أكثر تَغييباً للحريّة هُو بالتأكيد مُرْتَزِق برتبة ناقد، وقد عرفنا ظاهرة احتفاء نقاد عراقيين بكتاب وأدباء وشعراء مِن أقطار الهامش تحت ضغط حاجة إيجاد مأوى آمِن بعد احتلال العراق، كما عرفْنا ناقدا تونسيا يُقارن شاعرَ بلاط ملكي بإيلوار شاعر الحريّة مُقابل التدريس في جامعة بلد هذا الإيلوار المُزيَّف. هذا كلّه إلى جانب الرّغبة المَشروعة في مُحاوَرة بَعض الأعمال التي تستفزّني، يزجُّ بي في فضاء الكتابة النقديّة لأحَدِّثَ عَن ما أراه وأسمعه بعينيّ وأذنيّ ولسان الطفل الذي رأى المَلكَ العاري عارياً.

] هناك محطّات في مسيرة أيّ مُبدِع، ماهي المحطّات التي مِن الضروري الوُقُوف عندَها، لِسَبْر أغوار تجربتكَ الإبداعيّة؟ وَمَن هُوَ الشخص الأوَّل الذي تَركَ أثَراً في حياتِكَ؟.

- بَعْدَ مُغادَرةِ بيت العائلة جرّاء خِلاف حادّ مع الوالد، كانَ التحاقي بمنظمة التحرير الفلسطينيّة في بيروت الذي جعلَ القضيّة الفلسطينيّة خلفيّة ثابتة لمراحل تجربتي كافّة، هي المحطّة الأولى، تليها محطّة حصار العراق واحتِلاله، وبعدها محطّة الربيع العربي والحرب الكونيّة على سوريا.

]  ذَهَبْتَ إلى تونس، وأقمْتَ فيها أكثَر مِن ربْعِ قَرْن، ماذا عَنى لكَ هذا الانتقال مِن الشام إلى تونس؟ وماذا أفادتك هذه الإقامة في تونس؟ أتمنى أن تتوقف قليلاً عند هذه المحطّة المهمّة في حياتك وفي تجربتك الشعريّة، لِنَتَحَدَّث عن تأثير الشُّعراء التونسيين في تَحَوّلاتكَ الشعريّة؟.

- بَعْدَ خُروج مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينيّة والإعلاميّة من بيروت إلى تونس، كان طبيعيّا أن تكون تونس محطتي التالية، وبَعْدَ عودة مؤسسات المنظمة إلى قطاع غزّة والضفّة الغربيّة بناء على اتفاقيات أوسلو، بقيتُ في تونس لأسبابٍ عائليّة وأخرى تتعلّق بطبيعة عملي في المنظمة. لكن الصُّعوبات التي اعترضَتْني وتعترضني لِتدبير إقامَتي هُنا أكثر عَدداً وتعقيداً مِن أن تُوصَفَ فرُبّما تكون مُذكّراتي الفضاء الأرحب والأنْسَب لِسَردِها، وَعلى الرّغم مِن ذلك فَقد أقَمتُ في هذا المكان عدّةَ عُقود وَعرفْتُ العديدَ مِن الصداقات وعلاقات الحبّ الفاشلة وأبرمت أكثر مِن عَقد زواجٍ فاشِلٍ أيضاً، ولكنّه المكان الذي شهد أيضاً صدور العشرات مِن كُتُبي، فأنا قدمْتُ إلى تونس وفي رصيدي ست مجموعات شعريّة، لكنّ مُجايليّ مِن الشعراء التونسيين أكثرهم حظّاً كان قد أصدر مجموعته الشعريّة الأولى. وعلى عكس ما قد يتصَوَّر البَعْض أنا كائنٌ أميلُ إلى العزْلة المُنْتِجَة ولئن كان معارِفي كُثُرا فإنّ أصدقائي هُنا لم يبلغوا بعد عدد أصابع اليد الواحدة. هل أثَّرْتُ بالمَشْهَد الثقافيّ التونسيّ؟ ربّما إصداري ثلاثة كُتُب (أسئلة الأدب التونسي 2008، قراءاتي في الأدب التونسي 2009، أسئلة الفكر التونسي2010) تُوحي بجوابٍ ما، كما أنّ صدور ثلاث كتب عن تجربتي الشعريّة في تونس لناقدين وشاعر تونسي (مرافئ أوليس اللاذقي/ قراءة في الأعمال الشعرية لهادي دانيال: نور الدين الخبثاني دار نقوش عربية 2009- أحلام المسافر/ قراءة في عالم هادي دانيال الشعري: د.مصطفى الكيلاني دار بيرم 2014 - هادي دانيال حمامة رصيف العالم: وليد الزريبي سلسلة تكلم حتى أراك 2008) يؤشّر مدى حضور نَصِّيَ الشعري، أمّا تأثير الشعراء التونسيين في تحوّلاتي الشعريّة أو تأثير كتابتي الشعريّة في كتابات الشعراء التونسيين فهذا يحتاج إلى تحقيق وتدقيقٍ نَقديّ لَسْتُ أنا الجّهة التي يُفْتَرَض أن يُوكَل إليها القيام به. إلا أنني أؤكِّدُ لَكَ أنني عشْتُ حياتي كفلسطيني ولذلك اكتَسَبْتُ قدرة استثنائيّة على ألفة الأمكنة كافة، كَونَها جميعاً مؤقّتة على الطريق إلى الوطن الفكرة/ فلسطين، لكنني في السنوات الثلاث الأخيرة أصبَحْتُ أكثر غُربَة في هذا المكان الذي يُرسِلُ القتَلَة إلى أهليَ السوريين وباتت فكرة الوطن حَمّالة وَجهين: فلسطين وسوريا. ليسَ مِن عادَتي أن أذكِّرَ جَماعةً أو فرْداً بما قدَّمته لهم أو من أجلهم، لكنني أتذكّر دائماً وبقوَّة وامتِنان أقلّ خدْمَة قدَّمها غيريَ لي حتى ولو كانت ابتسامة مؤازرَة في ظرفٍ صَعْب، وبالتالي لِنَتركْ مثلَ هذه الأمُور للسيّد التاريخ وغرباله ذي الثقوب الواسعة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش