الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لقاح مبكر ضد الوهم !

خيري منصور

الأحد 25 كانون الثاني / يناير 2015.
عدد المقالات: 1791


لم يخطر ببالي ذات يوم انني سأبحث عن اطفال كان لهم الفضل في تحرري من الاوهام، فالطفل كما يقول الشاعر ووردزورث هو أب الرجل، وتلك حكاية عمرها بضعة عقود، حين كنت طالبا في القاهرة، لم تجتذبني  المستديرة الساحرة التي يسمونها كرة القدم، وكنت انتظر المباريات لأسباب اخرى، فالشوارع تفرغ تماما اثناء المباريات سواء كانت في الملاعب او على الشاشة، فأشعر كما لو انني اعبرها للمرة الأولى، لكن ما حدث كان مباراة من طراز آخر، ففي معظم الايام اسمع من النافذة المفتوحة اطفالا يتصايحون وهم يتقاذفون كرة غالبا ما تكون قطعة قماش محشوة بجوارب قديمة، لهذا كان الناس يسمونها كرة الشراب، لأن الشراب باللهجة المصرية هو الجورب، كنت اقف على النافذة اشاهدهم، واثار انتباهي ان اسماءهم هي ذاتها اسماء نجوم الكرة في تلك الايام أمثال صالح سليم ومروان كنفاني الذي كان حارس مرمى النادي الاهلي، ولعلّ لقائي به قبل فترة قصيرة هو ما اثار هذه التداعيات في ذاكرتي، ثم عرفت ان تلك الاسماء ليست اسماءهم، بل يتقمصون اللاعبين المشاهير ويتخيل كل واحد منهم انه صالح سليم او غيره من نجوم تلك المرحلة، ويتناسون عن عمد ان الكرة التي يركلونها ليست كرة قدم حقيقية وانها خرق وجوارب، وبمرور الايام شعرت ان ما كان يقوم به الاطفال يقوم به بالغون في عدة مجالات، فالكومبارس سواء كان في السينما او السياسة او الثقافة يتقمص شكل البطل امام المرايا في بيته وليس امام الكاميرات، فما من احد يستطيع منع كاتب محدود الموهبة والعطاء من ان يتخيل نفسه همنجوي او نجيب محفوظ، وقد يجد حوله من الأميين من يصدقون ذلك وفي مقدمتهم زوجته المسكينة المضطرة الى مسايرته .
تعلمت من هؤلاء الاطفال الذين لم يعودوا الان اطفالا ما لم اتعلّمه من الكتب او حتى من اساتذتي، وبالطبع لن اعثر على احد منهم لأقول له شكرا لأنني منذ ذلك المشهد حرصت قدر المستطاع على ان لا اقع في فخ الوَهْم، وبذلت جهدا استغرق معظم العمر لكي لا اكون سواي .
اتذكر مشهد هؤلاء الاطفال كلما رأيت اشباها يتقمصون الاصول او كومبارسات يلعبون دور الابطال، لكن بعيدا عن الحلبة والكاميرا والتنافس الجدي . يتجلى ذلك المشهد في ايامنا خارج الملاعب والحارات وكرة الجوارب ، فهو سياسي بامتياز وثقافي ايضا بحيث اصبحت الاوهام اخطر من اي وباء، وقد قال احد الحكماء ذات يوم ان بامكان اي شخص ان يتقمص نابليون او اي امبراطور آخر، لكن ما ينتهي به الى الجنون هو ان لا احد يشاركه هذا الاعتقاد .
شكرا لهؤلاء الاطفال اينما كانوا الان، فقد اهدوني لقاحا بالمجان وفي سن مبكر ضد الاوهام وعلموني الفارق بين الموهوب والموهوم !

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش