الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مبدعون: القصة القصيرة جدا إحدى «بنات» التراث السردي العربي القديم

تم نشره في الثلاثاء 27 كانون الثاني / يناير 2015. 02:00 مـساءً

 عمان - الدستور - عمر أبوالهيجاء
يرى بعض النقاد والقاصين الأردنيين أن فن القصة القصيرة جدا تطوير لفن الخبر في التراث العربي، خصوصاً في أخبار كانت تجمع بين السخرية والمفارقة، هما سمتان من سمات هذا الجنس الأدبي، كما أن الأصول العربية السردية، التي تمثلت بالمقامات والمنامات وغيرهما، قد أثرت في العقليّة الغربية، ونتج عنها فنون سردية جديدة منها الفن القصصي بأنواعه: الرواية والقصة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، بيد أن «انقطاع السرد العربي عن التطور أتاح المجال للغرب أن يتقدم في هذا الحقل».
«الدستور»، استطلعت آراء نخبة من المبدعين حول جذور القصة القصيرة جدا في التراث السردي العربي القديم بأشكال مختلفة، ومن ثم تساءلت أمامهم إن كان يعيب ذلك الجنس الأدبي تأثره بالأدب العالمي؟ فكانت هذه الرؤى والإجابات..د. محمد عبد الله القواسمة:
لا شك أن السرد بحد ذاته قد وجد مع وجود الإنسان؛ فهو صفة من صفات الطبيعة الإنسانية. ولقد عرف العرب أنواعاً  من السرد بدءاً من الخبر وقصص الفتوح والخرافات والأساطير والحكايات التي تتناول جوانب من حياة فئات معينة من الناس، كما ورد في كتاب البخلاء للجاحظ، وقصص الأمثال، والمقامات التي ابتدعها بديع الزمان الهمذاني، واقتدى بها الحريري في مقاماته. إن هذه الأصول العربية السردية قد توقفت عن التطور وأثرت في العقليّة الغربية، ونتج عن هذا فنون سردية جديدة منها الفن القصصي بأنواعه: الرواية والقصة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جداً.
إن انقطاع السرد العربي عن التطور أتاح المجال للغرب أن يتقدم في هذا الحقل، وفي بداية القرن العشرين بدات العقلية السردية العربية ضمن نظرية التأثر والتأثير في الإفادة من هذا النتاج الغربي؛ فاستورد العرب قوالب الفن القصصي كما استوردوا تماماً الغسالة والثلاجة والتلفزيون. فلا غرابة أن نلمح تأثيرات مدرستي فن القصة القصيرة في الغرب: مدرسة الأمريكي أدجار الان بو، والروسي تشيخوف فلا أظن قاصاً أو حتى روائياً عربياً لم يتأثر بفن القصة القصيرة عند تشيخوف، وبخاصة الرواد مثل ميخائيل نعيمة في قصته القصيرة العاقر 1914 ولحق به الرواد الآخرون من المدرسة الكلاسيكية الأخوان: محمود ومحمد  تيمور والمازني وغيرهم . وتطور فن القصة القصيرة حتى شهدنا بروز أسماء كثيرة في هذا الفن، في مقدمتهم زكريا تامر. لقد استورد العرب القالب القصصي، وصبوا فيه مضامين جديدة انعكاساً لواقعهم وبيئتهم، وهذا امر طبيعي وسليم لكن رأينا بعض القاصين والروائيين لا يقفون عند هذا الحد بل استحال عندهم الفن القصصي إلى تقليد غربي في الشكل والمضمون مما أخرجه عن كونه فنًا عربيًا خالصًا. إن التأثر بالفن القصصي الغربي يجب ألا يتحول إلى تقليد أعمى يؤدي إلى فقدان المبدع العربي شخصيته، ويصبح، وإن حمل اسمًا عربيًا جزءاً من ثقافة الغرب وتراثه.
 د. رزان ابراهيم:
هناك بالفعل من يجد سهولة في الربط بين فن القصة القصيرة جدا وأشكال أدبية قصيرة شاعت في تراثنا العربي. لدرجة اعتبار فن القصة القصيرة جدا تطويراً لفن الخبر في هذا التراث. خصوصاً في أخبار كانت تجمع بين السخرية والمفارقة هما من سمات هذا الجنس الأدبي. وأشهرها ما نعرفه في كتاب «المستطرف في كل فن مستظرف».
المشكلة عندي غير منصبة حول كون هذا الفن القصصي امتداداً لأصول تراثية أو إن كان قد تخلق في عالمنا بفعل التأثر بالأدب الغربي. بإمكاننا القول إن هذا الفن منحاز للمظلومين والمهمشين في شكله التراثي القديم وكذلك في شكله الغربي كما يرد في كتاب فان أكنور «الصوت الوحيد»، والمسألة بالنسبة لي إنسانية مشتركة بغض النظر عن مصدرها أو أصولها. السؤال عندي: هل استطاع هذا الفن أو هذا الشكل التعبيري أن يلبي متطلبات مجتمعنا العربي؟
كثيراً ما يقال: إن هذا الفن يلبي متطلبات إيقاعية سريعة تعيشها المجتمعات. ولكن لا ننسى أن هذا الجنس الفني اتخذ أحياناً مسألة حملت طابعاً تسويقياً لسهولة نشر هذه القصص في الصحافة وبوسائل نشر معاصرة متاحة للجميع بسبب المساحة القصيرة التي تحتلها. لكن تبقى المشكلة لدي ما صرنا نلحظه من اتساع مساحات عدم الانضباط والثرثرة المختبئة وراء هذا الفن.
أنا لا مشكلة لدي في الاعتراف أن فنوناً أدبية حديثة يكتب فيها أدباؤنا هي بوحي تقنيات غربية, فمربط الفرس عندي هو اتصالها بالإنسان العربي المعاصر ومعاناته حتى لو استعيرت من الغرب. فلنعترف بالآتي: أشكالنا السردية غربية. وإن كنا لا ننكر شيوع أشكال سردية عديدة استلهمت التراث وجعلته رافدا من روافد الإبداع العربي الحديث؛ منها ما استدعى الموروث السردي التاريخي متوسلاً طريقة المؤرخ العربي في سرد الوقائع. منها ما حمل موروثاً صوفياً ثرياً مدللاً في هذا على بنية تعبيرية قديمة قادرة على استيعاب مضامين جديدة. لكن الغلبة كانت لتقنيات غربية صرفة, ليبقى السؤال الأهم بالنسبة لي بغض النظر عن مصدر هذا الجنس وأصله متمحوراً حول قدرة هذا الجنس على التعبير عن هم الإنسان العربي وقضاياه. ومن هنا أحكم عليه بالفشل أو النجاح.
 القاصة سامية العطعوط:
المشكلة أننا حين نتحدث عن «القصة القصيرة جداً»، فإننا نتحدث عن نوع جديد من «القصة القصيرة»، كجنس أدبي له تارخه وتقاليد وأعرافه الراسية، التي تغيرت وتجددت على مرّ الزمن، من خلال عدد من أجيال كتاب القصة القصيرة عرباً وأجانب، ومن خلال تطوير أدوات فن القصّ والسرد. وقد اتّسعت القصة القصيرة لتستفيد بتنويعاتها السردية من الفنون الأخرى كالمسرح والسينما والفن التشكيلي والأسطورة، ومن الشعر بشكل خاص..!
أما القصة القصيرة جداً، فهي نوع أدبي حديث العهد نوعاً ما، بدأ يغزو الساحة الأدبية العربية في السنوات الأخيرة، خاصة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي التي تغري بالكتابة والتعبير عن الذات وعن الآخرين بنصوص سردية حيناً وشعرية حيناً آخر. وربما تتصل كفن بجذور في تراثنا العربي كالطرفة والحكمة والمقامات ونصوص المتصوفين، ولكن من الضروري التأكيد هنا، بأن القصة القصيرة جداً، لم ترس بعد قواعدها وأسسها الواضحة المتفق عليها.. لذلك، غالباً ما لا نجد من بين خمسين قصة القصيرة جدا على سبيل المثال سوى قلّة من النصوص التي يمكن اعتبارها قصة قصير جدا، من حيث النصّ المُحكَم والتعبير القوي، وتوفر عنصر السرد وهو الأهم. فبعض ما يُنشر لا يعدو عن كونه طرفة أو نكتة، أو حكمة لا علاقة له بفن القصة القصير جدا.
أخيراً، إن التلاقح الثقافي بين الأمم، خاصة في العقود الأخيرة فرض «التأثر والتأثير»، بين جميع الشعوب، فكثير من الكتاب الأجانب تأثروا بكتاب «ألف ليلة وليلة» ونصوص المتصوفين وغيرها من السرديات الكبرى لدينا، وبالطبع لا يعيبنا أن نتأثر بالأدب العالمي لأنه ليس قراراً اختيارياً..!
وبالنسبة لي، أرى أننا استطعنا أن نطوّر أشكالاً سردية جديدة، خاصة في فن القصة القصيرة وأتوقع أن يتم مثل ذلك في فن القصة القصيرة جدا، ولكن بعد حين، وبعد أن ترسي قوانينها وقواعدها الواضحة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش