الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خيط وطن

رمزي الغزوي

الأحد 8 شباط / فبراير 2015.
عدد المقالات: 1940

 من الأغاني التي كنا نزف بها عريسنا الزاهي، تحت مظلته المدعّمة بالبالونات وندف القطن، والشبر الملون، و(ورق الكرنيش) والدناديش، وبعض الورود، أغنية مشحونة بنبرة التحدي: (هون فرطت مسبحتي، هون لمولي إياها). فهل جربتم أن تلموا مسبحة تناثرت حباتها بين الأقدام في زفة صاخبة؟!
لا أحبذ أن أظهر مسبحتي، الغالية على قلبي، ليس لأني أخشى عليها أن (تنفرط) في الزحام الذي ينتابنا. بل لأنك حين تقف مع أحدهم، فهو ولا شعورياً، يمد يده ويأخذها منك، يتأملها، ويداعب شراشيبها، ويتفحص حجارتها، ويسألك: هل هي مطعمة بالفضة؟!، فتهز رأسك بنعم. ثم يسوق عليها شوطاً من الكركرة، ويغافلك بالكلام، ويدسها في جيبه (وراحت عليك حبيبي راحت عليك).
ذات جولة في سوق شعبية لبيع المسابح، قال لي بائع مسن متغضن الوجه وقد رأني أتفحصها وأتفقد حباتها: يا ابني (المسبحة خيط). أي عليك أن تنتقي خيطاً لمسبحتك يكون قوياً، فلا فائدة من مسبحة تنقطع مع أول شوط دبكة، أو شدة من يد، أو سقطة على الأرض. ولهذا دعمت مسبحتي بخيط متين جعلني أدبك بها لسنوات.
نحن في العادة نلتفت إلى حجارة المسبحة فقط، وقيمة حباتها، وألوانها. ولا نلتفت إلى الخيط الذي ينظم هذه الحبات ويحفظها، فهو متوارٍ، مختفٍ عن الأنظار، لكنه موجود، لا نحس به إلا حين ينقطع. وعندها فإن السبحة لن تعود سبحة، والعقد لن يعود عقداً، بل مجرد حبات متناثرة تطأها الأقدام ويعفرها التراب.
راهن كثيرون على مسبحتنا أن تنفرط في معميعية حربنا المشرفة ضد الفواحش الدواعش، وخصوصا حين تفاوضنا معهم حينما أرادوا أن يدبوا الفنتنة بيننا. ولكن استشهاد معاذ فيما بعد، أثبت للعالم أجمع أن الخيط الذي ينظم خرزاتنا أقوى من كل مذيع (خيط مجدول من الصوف الشعر). أمتن من النايلن، و(المصيص)، وأثبت من خيط (الرافيا).
استشهاد البطل معاذ جعل من الأردنيين مسبحة واحدة، بخيط لا يقطع، ولا تنفرط حباتها، رغم قوى الشد والشد العكسي التي مورست عليها. ودائما كنا نقول: نحن لا نخاف على مسبحتنا من يد الغرباء تتخطفها، وتغافلنا تدسها في جيبها، ولكن الخوف كان أن ينفرط عقدنا بيدنا.
لكن الأيام والملمات أثبتت أن خيط الأردنيين أقوى من كل هاجس خوف من أن يقطع أو يضعف. فنحن مسبحة واحدة بكل ألوان خرزها، يوحدها خيط قد لا نراه، لكنه موجود متين قوي نعرفه باسمه الأسمى دائماً: حب الوطن. فدمت عزيزا يا وطني.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش