الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أمة الضاد أجهل من تنطق الضاد

لؤي طه

الأحد 15 شباط / فبراير 2015.
عدد المقالات: 29

يطفو الزيت على سطح الماء؛ لأنه أقل كثافة من الماء، وكذلك الخشب وكل ما هو خفيف . كما يطفو الجهل والتخلف على سطح العقل؛ لأنهما أقل كثافة وأخف إلى النفس من العلم والتعلّم.
يُدهشني إلى حدّ الذهول هؤلاء الذين مازالوا يتساءلون عن أسباب ضعف أمة الضاد والوهن الذي آلت إليه على الرغم من أن الإجابة على مثل هذا السؤال أكثر وضوحاً من قرص الشمس.
حين تجد غالبية أصحاب الشهادات العليا من أطباء ومهندسين وخريجي التاريخ والجغرافيا، لا يجيدون صياغة جملة متكاملة باللغة العربية الفصحى سليمة لا تخلو من آفات الخطأ النحوي والإملائي؛ بذريعة أن اللغة العربية ليست من اختصاصهم وهذا يبيح لهم التمادي في استخدام لغة هزيلة ومكسّرة.
عندما تتعثر بصفحات عربية تستخدم الحروف اللاتينية بالمعنى العربي كلغة دردشة وتعليقات وكأنك أمام طلاسم فرعونية يُصعب عليك فك شيفرتها ويستخدمون الأرقام كرموز اختصار كيلا يكلفوا أنفسهم كتابة مفردة كاملة لأنهم في سباق المسافات الفارغة ولا يملكون من الوقت المملوء بالنشاطات والفاعليات الضخمة في إعادة هندسة الكون.
حين تلاحظ بأن هناك بلد عربي برمته يعاني من عاهة اللفظ الصحيح وشلل النطق السليم ومخارج الحروف المشوهة.
وأنت تسافر إلى بلاد هويتها عربية، لكن اللغة الدارجة والمعتمدة هي لغة أجنبية نتيجة الاحتلال الطويل. استطاع هذا الاحتلال أن يسطو على ألسنة العقل وله التأثير البالغ، حينها تشعر بغربة أخرى وكأنك مطلقاً لست في بلدٍ عربي.
عندما تفتح على كل الإذاعات العربية تجد بأن المذيع أو المذيعة يتكلم باللهجة المحلية والمتلقي يرد باللهجات المحلية. عندما تُدار حوارات على شاشة التلفاز مع أقلام كبيرة، ومفكرين عظام باللهجة العامية.
أغلب العائلات العربية  الذين ينسبون أنفسهم إلى الطبقة المخملية يتدوالون المفردات الأجنبية كنوع من أنواع « الاتيكيت الشفاف» ينفقون على أولادهم المبالغ الهائلة ليتعلموا اللغات الأجنبية لكنهم لا يكلفون جيوبهم في الأنفاق على تعليم أولادهم اللغة العربية الأم.  
كم هو موجعٌ عندما تصبح لغة الحوار داخل البيت ما بين أفراد العائلة الواحدة ومع أحفادهم بلغة أجنبية في مثل هذا المشهد تدرك بأن أمة الضاد تلفظ تاريخها الأصيل إلى هواية النسيان والانقراض.
أن نكتب بلغة ٍعربية فصيحة مع بعض الأخطاء النحوية والإملائية أرحم بكثير من أن نهجرها إلى لهجات محلية، خشية من أن نقع تحت مجهر الانتقاد من العارفين باللغة. كيف لكَ أن تتعلم مالم تتعلم أين يكمن الخطأ؟
لو تأملت في هذا الطرح سوف تجده طرحاً مألوفاً والكثير قد تناوله وربما بشكل أعمق. ما أردت الإشارة إليه ليس عن طامة اللغة العربية المتردية؛ لكن عن الطامة الكبرى والفجيعة المؤلمة، هو أن أمة الضاد باتت أمة عجوز تخور في الفراغ والعتمة، تعاني من شعور حاد بالنقص من كل الأمم حتى الأمم التي ليس لها تاريخ ولا حضارة.
كيف للأمم الأخرى أن تحترم أمة تنسى لغتها وتفقد ذاكرتها وتمحو من سبورة الجيل الحالي مشهد التاريخ العربي ورواده ومفكريه وفلسفاته وتقلل من شأن لغتها العريقة التي تعد هي لغة الإعجاز ولغة المجاز والبلاغة والإيجاز ..أمة الضاد تعرض في المزاد الكوني عن بيعها لتاريخها وأصولها لتشتري لها منزلة رخيصة ما بين الأمم الأقوى التي تحارب مع الشيطان لكي تنشر نفوذ لغتها لتصبح هي لغة الكون الأولى، في الشركات العربية والمؤسسات العربية وفي التعاملات التجارية العربية. أن فرض لغتها على جميع البلدان لتكون هي اللغة المعتمدة؛ إنما يوحي على أنها دولة قوية وعادة الضعيف يتبع ويركع أمام القوي.
إن فقداننا للعقد الفريد  واللغة العربية الصحيحة، لا يعني هو مجرد فقدان لغة وحروف، لكنه فقدان مطلق لكل ما كان لنا من تاريخ وأمجاد واللغة العربية هي الشاهد الأخير على حضارتنا الأندلسية وعلى الفتوحات العربية  والزخارف  والنقوش النفيسة على حيطان الزمن العتيق؛ فحين تنتهي اللغة فأن التاريخ سوف يُسدل الستار علينا لنصبح نسياً منسّيا .
سيظل حُلمنا في أن تطفو كثافة النور على سطح العتمة ليمزق الضوء ثوب الظلام ونهتدي به إلى ملكوت العلم، ونعود أمة ما نطقت أمة سواها بالضاد ...    

 *شاعر وكاتب سوري.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش