الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قراءة في رواية غواية لا تود الحديث عنها

تم نشره في الجمعة 14 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 08:00 صباحاً

فادي الموّاج الخضير *



بين أسوار القلعة وعلى ظهر السفينة، تتوزع معظم أحداث رواية «غواية لا تود الحديث عنها» للروائي الأردني نائل العدوان وهي الرواية الثانية له بعد رواية « مذكرات من تحت بيت الدرج» .

 يقضي البطل (الترابي) وقته الجميل مع (كريمة الهوزانية) خادمة القصر التي تخبره أن زوجة السلطان على علاقة مع قائد الدرك، ثم تدب الخلافات بين السلطانة (طروب) زوجة السلطان ووصيفاتها، وتعقد العزم على الخروج على زوجها السلطان بمعاونة (الأسعدي) قائد الدرك.

وفي هذه الظروف يخبر (محمد السافر) صديقه (الترابي) أن السلطان غدا ألعوبة بيد (الأسعدي) فيشرب الترابي (الخمر) ويهذي بأخبار فضائح القصر، ويتحدث بأعلى صوته عن خيانة يدبرها (الأسعدي) مع السلطانة للخروج على السلطان، فيسمع السلطان هذيان الترابي ويسأله عن قصة المؤامرة فيخبره الترابي بالقصة، فيأمر السلطان بالقبض على الأسعدي ، وتبدو القصة كأنها انتهت.

لكن العدوان يغير مجرى الأحداث  ليقبض الأسعدي - بمعاونة (خنجر) كبير الحرس- على السلطان نفسه ويُحكم على السلطان بالحبس طيلة عمره والأشغال الشاقة، وينفى إلى جزيرة اليرافة، بينما يتمكن (الترابي) من الهرب، وتوفر له (إيلينارو ) ابنة الراهب مأوى بعيداً عن أعين الجنود الذين هبوا بحثا عنه.





وعندما يعلم الراهب يقبل ببقاء الترابي بينهما في الحقول نزولا عند إلحاح ابنته، ويقرر (الترابي) أن يتزوج (إيلينارو) دونه علم أبيها، ثم يقبض عليه الجنود في الحقول، ويعاد الترابي إلى جزيرة النفي، ويسجن هناك في المنفى رقم (202) إلا أنه يتمكن من تهريب المساجين والهرب بمساعدة صديقيه المسجونين معه (منصور الأفعواني و عابد الترجمان) اللذين يبايعانه سلطانا بعد أن عثر على السلطان المنفي يلتقط أنفاسه الأخيرة في السجن قبل أن يموت، ثم يتوجه (الترابي) إلى الكنيسة فيجد أن الراهب قد مات، ويجد (إيلينارو) وطفله (السنوري) في انتظاره.

أما على ظهر السفينة فيجد البطل (حمادة) نفسه عتالا، يتمكن من تخليص السفينة من العاصفة، ويستفيد من - تغيير اتجاه السفينة للتزود بالنقود- فيدبر طريقة للهرب إلى السواحل الإسبانية بمساعدة (فرناندو) و(السيدة أليس) و(بيتر).

العنوان باعتباره عتبة للنص، أو للعمل الروائي هنا، جاء دون أل التعريف، في مسعى لتنكيره ليدل على عموم يؤكد أن العدوان لا يتحدث في روايته عن غواية بعينها، لكنها سلسلة غوايات، وإن لم يقل (غوايات)، فالغوايات جمع يدل على أكثر من غواية قد يكون لكل منها شكلها وتفاصيلها، لكن غواية العدوان غواية واحدة وإن اختلفت المحطات والمراحل، غواية متجددة يمر بها وتمر به في كل محطة من محطات هروبه.

والرواية هنا مسكونٌ فيها البطل بالغموض والقلق والمخاطرة (إن السجن فوق اليابسة لهو أخف وطئا من رحلة في البحر وسط جدران سفينة بلهاء ص63)، ففي القلعة - بما ترمز إليه من احتجاب عن حدود النظر وتوار خلف حصونها وبواباتها-  يعيش البطل دور حارس مخلص وفيّ في وقت تمتلئ فيه القلعة بالخائنين والمؤامرات، وعلى ظهر السفينة يعيش أجواء المخاطرة في مواجهة العاصفة وفي مواجهة البحارين الذين أخذوا يشعرون بخطر وجوده على ظهر سفينة سيقاسمهم حظوة القبطان على ظهرها.  وهذا يشي بحال الإنسان بمطلق كلمة إنسان وحال الإنسان العربي في مواجهة حاضر موجع وترقب مستقبل مسكون بالخوف والمجهول، في ظل قرية عالمية صغيرة، حد أن البطل يعيش دورين في آن معا فتارة نجده عتالا على ظهر السفينة، وتارة نجده حارسا في كنف القلعة، وهو في كل من الدورين يمارس أدوارا أخرى غير تلك المقدرة له ، ففي القلعة نراه شاعرا، وعلى ظهر السفينة نراه مساعد قبطان ومخلّصا ومنقذاً (لا أحس بروحي مستقرة في جسدي، أشعر بأني شخص ما من زمن آخر، وأني لست بحارس، فأنا شاعر مرة، بحار مرة أخرى، ومرات أخرى مهندس بناء، أنا كل هؤلاء وليس بأحدهم ص69).

الرواية تلمح إلى الحالة العربية المعاشه، فالبطل مصري، ويهرب الى السواحل الإسبانية بما تحمله اسبانيا من تاريخ في وجدان العرب،  ويظهر البحار السوري، ويسجل الانجليز حضورهم من خلال مشروع قبل أن يتوقف، وقد قصد الروائي - فيما يبدو- الزج بألفاظ ذات دلالات ثورية أو متصلة بالربيع مثل (أيها المخلوع، لقد جنيت على نفسك بالموت ص88).

ولئن ظل كل من الحفاظ على الشكل الثابت والتسلسل الزمني والتزام المنطق ملمحاً من ملامح الرواية التقليدية، فإن الرواية الحديثة والرواية الجديدة قد تخطت ذلك لتكسر الأشكال الرتيبة النمطية، حتى باتت الشخصية تنقسم في كثير من الروايات وتنشطر فتغدو مزدوجة، وإذا كان (أندريه جيد) يرفض أن يكون للشخصية اسم ولقب وأملاك في روايته (مزيفو العملة) فإن شخصية (حمادة) في رواية العدوان  تعيش حياتين فيما يبدو: حياة العتال على ظهر السفينة، وحياة الحارس في القلعة، بل وتسكنها أرواح أخرى، فتارة ينظم الشعر، وتارة يتأمل بذائقة فنان أو رسام، وتارة يمارس دور بطل ملحمي، وتارة يمارس عشقه بكل جنون.

شخصية الترابي في الرواية حملت اسم (202) في مرحلة من مراحل حياته أو في محطة من محطات العدوان السردية، وكأن العدوان يريد أن يقول إنه لا يتحدث عن شخص معين بقدر ما يتناول هموم الإنسان العربي عموما، بل إن في الترميز الرقمي ما يتناسب مع حالة غياب الإنسانية في المعتقل والمنفى، وهو تلميح فيه ما فيه.

جاءت رواية العدوان معتمدة على ضمير المخاطب وكأن العدوان - إذ يخاطب البطل- يخاطب كل واحد فينا، وكأن غواية الترابي غوايتنا جميعا، فالهروب الذي يستولي على أحداث الرواية يشي بهروب العربي من واقعه بحثا عن مستقبل لا يدري كيف يكون.

ويمكن التمثيل على استخدام ضمير المخاطب بمثل (غواية لا تود الحديث عنها) فالضمير المستتر في (تود) ضمير مخاطب، و (النورس قريب منك ص13)، و(تلك الأفكار تراودك ص63)، و(وبرغم غرابة الموقف إلا أنك تفترض أن هذا المشهد هو الأصل ص125)، و(لقد حارت بك المشاعر ص178). وقد كان ميشال بيطور قد اشتهر في استخدام هذا النوع من الضمير، وإن كان يبدو « أن مسألة اختيار ضمير السرد هي مسألة جمالية أو شكلية قبل كل شيء» كما أظهر مرتاض.

يشرك العدوان البطل والقارئ معا في أحداث الرواية، فنجده يوجه البطل ويرشده ويلومه، في كثير من المواقف باسطاً نفوذه على مجمل حركة السرد، مستمداً مرجعيته الواقعية من تحولات المجتمع، حتى لتصدق مقولة (سحر ملص) في أن الكتابة تشبه البرق الذي يكشف عن المناطق المظلمة في العالم.

وهنا يعتمد العدوان على التشخيص متخيلا البطل شخصيا يكلمه بمجريات القصة، ومتسللاً في مجرى عالم لا ينتمي إليه أصلاً، حتى لكأنه يريد أن يقول لنا إن ما يحدث في الرواية هو ما يحدث اليوم وكل يوم بيننا. ويظهر الإشراك في (وتتذكر في هذه اللحظة  الزوجة التي تنتظر عودة حبيبها الغريب من غياهب البحر في قصتك التي لم نعرف نهايتها ص64)، و (سأتدخل في حوارك معها هذه المرة ص81)، و(قل: صوتك ساحر كخرير الماء العذب ص 95)، و (ولا تنس أن تمسح فمك الممتلئ ببقايا الطعام ص120).

يستولي هاجس المستقبل على نفسية  البطل (الترابي/ حمادة)، ويظهر هذا في بنية الرواية كما في (وأن المستقبل سيكون أفضل ص40)، و (كثير من القضايا تشغلك ومنها مستقبلك ص47) و (المستقبل يكاد أن يتوقف عند حياة البحارة ص 59) و (وتدرك أنك لست أنت، وأن ماضيك هو مستقبلك ص89) و (منتظرا مصيرك الذي لا تعرف نهاية له ص 170).

أما الزمن الحاضر في الرواية فهو قلق بدليل الهروب المستمر للبطل  ، مع ما بثه المؤلف في ثنايا الرواية وحركة السرد من وصف للسرير الخشبي، كما في (سريرك الخشبي الذي يصدر صوتا غريبا كلما تحركت من فوقه ص19) و(إنما تجلس فوق السرير الخشبي الذي يتمايل مع كل اهتزاز ص22) و (لكن هذا السرير قديم متهالك، هل ستصلحونه لي؟ ص 115).

وتبدو الحكمة جلية في متن الرواية، كما في (فكل الأحداث المتسارعة شبيهة بألعاب الأطفال التي لا تدوم ص )، و(الثورة هي مفتاح العدل ص172)، و(وإذا كانت أحداث حياتنا معدة مسبقا فكيف لنا أن نغيرها؟ ص105)، و(فمن الصعوبة أن تحزن دون شفقة أو أن تفرح دون خوف مرتقب ص145)، و(الحرية لا تعني أن تكون خارج القفص ص63.

وتسجل المرأة حضورها، (فتاة حسناء لا نعرف اسمها ص11)، و (كريمة الهوزانية ص21) و(إيلينارو ص96) و(السيدة أليسا ص108) وغيرها من الشخصيات الرئيسة والثانوية، كما اللون الذي يستخدمه الراوي بامتياز في مثل (رجل أبيض البشرة ص11)، و(ربطة عنق سوداء ص15)، و(يرمقونك بأعينهم الخضراء ص15)، و(ببزته السوداء الأنيقة ص129)، و(تلبس الفستان الأخضر ص130)، فيأتي اللون مكملا حقيقيا لجملة الأدوات التي وظفها العدوان في الوصف، وفي الإيحاء، خاصة في المطابقة بين شخوص الرواية ، فالمرأة التي تلبس الفستان الأخضر هي ذاتها التي ألهبت قلب البطل في القصة الحقيقية وفي الحلم أيضاً.

والرواية غنية بالتصوير والتشبيه والاستعارة الأنيقة كما في (تتجه إلى حيث تصطف الأكياس كمن يقدم على موته ص33)، و(فقد ألقت برأسها نحو كتفه كقطة أليفة ص39) و(والبحر وإن بدا متسامحا إلا أنه كالأفعى الملساء ص62)، و(وشعرها منسدل فوق كتفيها كليل في يوم شتوي ص93) و(وتعانق اليابسة ص 101) ، و(حتى لحظة خروج السجناء كالسيل نحوهم ص157.

وقد كان التناص واضحا في مثل (إن لم تكن حوتا ابتلعتك الحيتان ص60) وكأن الروائي يحيلنا إلى شريعة جديدة غير شريعة الغاب هي شريعة البحر، ويظهر التناص في مثل (حتى أنت يا خنجر ص88) فقد جاءت في سياق يتناسب تماما مع (حتى أنت يا بروتس).

العدوان قدّم للمكتبة العربية رواية جديرة بالاهتمام، تحاكي الواقع محاولا رسمه بدقة من خلال الأحداث واختيار الأسماء والجنسيات والألفاظ والتراكيب، في الوقت ذاته الذي أبدع فيه العدوان في هدم المتخيل، للإيحاء بواقعية ما يكتب.

* ناقد من الأردن

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش