الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بالكركي الفصيح..

ابراهيم عبدالمجيد القيسي

الثلاثاء 27 كانون الأول / ديسمبر 2016.
عدد المقالات: 1998
قبل أسابيع؛ كنت في زيارة لأحد الوزراء في مكتبه، وبعد أن أنهينا الحديث وغادرته، هاتفني قبل أن أبتعد، وقال :وين صرت، تعال بالله شوية، رجعت على الفور حيث كنت مازلت في الوزارة، ففتح هاتفه قائلا: شوف هاظا، بشبهك.. قلت: مو لهالدرجة، فقال: معناته انت ملاحظتك مهي قوية..
ثم بعدها بأيام، أرسل أحد الأصدقاء فيديو آخر، للشخص ذاته، كتب بعده:شوفه، فيه شبه بينك وبينه، فإذا به الشخص نفسه، يصور نفسه وهو «يهبد الكلام هبد»، ويتحدث حول قضايا سياسية وغيرها، ويستخدم اللهجة الكركية، ولعل هذه هي الصفة المشتركة بيننا، فلهجتي؛ سبب في الارتياب بي في عمان، وبعض الأصدقاء الذين مر زمن ولم ألتق بهم، يقولون الملاحظة ذاتها: ول يا زلمه قديش الك في عمان وبعدك ما تنجرت، بتسولف كركي! قديش واحد ف عمان بفهم عليك! .
تقريبا كل الكركية الذين في عمان يوردون ملاحظات بشأن لهجتي، علما أنني أستطيع التحدث بلغة النخبة أو بلهجة أخرى أقل تشديدا وحركات جسد، حتى أن مشعل ابن أحمد ابن نهارالمجالية، التقيته قبل 15 عاما في مجلس النواب، وبعد حديث طويل، قال مشعل: يا زلمه غير لهجتك شوية «أقسم بالله» مانا قادر أفهم عليك، «كركيتك سك من مرة» والله انت بتسولف بلغة «عاد الأولى»، فترددت ضحكتنا «مجلجلة» في الطابق الثالث من مجلس النواب..
رأيت فيديو ورد من مدخل قلعة الكرك، ولم أقم بإعادته ولا مرة كي أفهم الحوار الذي يجري فيه، فاللهجة والخطاب ولغة الحوار معروفة لدي، حتى الحجارة والأدراج والبوابة التي ظهرت في الفيديو أعرفها تماما، فكان مادة ثرية بالنسبة لي، تمكنت من خلالها تقدير ما يجري في الكرك حين وثبت الهمة الكركية تؤازر همم رجال الأمن المحاربين والشهداء والمصابين.
مرتان؛ اتصلت هاتفيا مع همام ابن أخي أحمد، خلال الأسبوع الماضي، الأولى وقت حادثة «قريفله»، سألته عن الذي يجري، لأنني توقعت أن يكون قريبا، فلا مسافة تذكر بين راكين وقريفلة، قال :أنا في الوسية قاعد مع شباب، بس بنشوف اضواو السيارات وبنسمع الطخ، فقلت له ما بتعرف عند دار مين واقفة سيارات الشرطة، فأخبرني عن بيت، يتوارد ذكره «هالناس بقولوا انه عند بيت فلان».
اليوم اتصلت مع همام لأساله عن «قراية اخوانه»، فإذا بي أتحدث عن «الهوشات»، سألته: ويش أخبار الهوشات هاليومين؟، فأجابني: الكرك كلها ما فيها هوشات من هان لخمسين سنة بعد هاللي صار ! (تصريح عميق بصراحة.. تعرفه وتفهمه الكرك النازفة، خصوصا حين يصدر عن شاب عسكري عمره لم يبلغ 22 عاما).
قلت لهمام أين كنت يوم الأحد الماضي؟ فإذا به متحفز للاجابة:
والله يا عموه كنت في الكرك، رحت ع البنك، فيه ليي سلفة رحت أجيبها، وقبل الساعة وحده ف شوية، شفت هالناس فازعة، وطلعت من شارع القلعة، ولما وصلت مدرسة الأميرة رحمة (هييه ع اليسار وانت طالع ع القلعة، قبل القلعة ف شوية)، مع وصلت بلنص الدفاع المدني، وكان في واحد من الشرطة مصاوب ومنبطح قبال المدرسة، وحملته أنا والعسكري اللي مع البلنص، وحطيناه ع الكرسي.
طيب؛ عرفته مين هو يا همام؟ أجابني : آه والله عرفته، الوكيل العجرمي الله يرحمه، وشكله كان مستشهد قبل ما نحمله، طيب وين أسعفتوه؟ قال همام: على ابو حمور «المستشفى العسكري»، قديش كانت الساعة تقريبا ؟ قال همام : حوالي وحده ونص.
حتى لو كنت في عمان، فالحديث مع أي شخص في الكرك يريحني، حيث أتحرر من كثير من قيود اللهجات واللكنات والديبلوماسية، وأتحدث بلسان كركي مبين، لا تكلّف فيها، وكذلك تغيب التورية بكل أشكالها، فالحديث بلهجة كركية يكون أكثر وضوحا و أقوى حين يبتعد عن المحسنات.. حديث يختصر مسافات محاولات الفهم والتوقف لقراءة ما خلف الكلام، وهذه خصيصة يفهمها فقط من يتحدث باللهجة الكركية أو يتذوقها.
القلعة والكرك والنخوة والشهادة والشجاعة والصدق والصبر والجوع والوطن والأمن والجيش، كلها مفردات كركية أو تصبح ذات بعد «آخر» حين تنطلق من الكرك، ويمكنني تمييزها حتى لو لم تكن ثمة مناسبة لأي من هذه المعاني والدلالات التي تتضمنها تلك الكلمات.
أعتقد جازما بأن كثيرين من الأردنيين وخلال الأيام الماضية، فهموا وتذوقوا تلك الكلمات كأنهم يسمعونها للمرة الأولى.
الدرس الأردني المتمخض عن أحداث «القلعة ودروبها» حديث كركي بامتياز، حتى الدم الذي جرى، انسكبت منه قصائد عز كركية، سيرددها الأردنيون كلما نادى الوطن رجاله وحماته.
الإجرام يندحر دوما ويكون مذبحه هو أسوار قلعتنا الأردنية الشامخة أنفة وعزة وطهرا..
[email protected]
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش