الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

لا نريد ان نقول: كان لدينا صحافة..!

حسين الرواشدة

الجمعة 13 آذار / مارس 2015.
عدد المقالات: 2559


تطرح الازمة التي تعاني منها الصحافة الورقية سؤال  العلاقة بينها وبين  الحكومات  ، لا اتحدث هنا عن الواجب الوطني الذي تنهض به هذه الصحف باعتبارها مؤسسات وطنية ، وانما عن «الشراكة» الحقيقة بين الطرفين ، وحدود التعاون  بينهما ومسؤولية كل منهما تجاه الاخر ، خاصة اذا علمنا بان  الصحافة غالبا ما تتماهى مع الحكومات وتدافع عن قراراتها وتتبنى روايتها، مما يعني ان  من حق هذه الصحف ان تطالب الحكومة بتحديد مسؤوليتها عن التراجع الذي اصابها، وبتقديم ما يجب عليها ان تقدمه لمساعدتها على تجاوز ازماتها.   
منذ سنوات طويلة ونحن نتحدث عن اشكالية هذه العلاقة ، البعض يرى ان المشكلة سياسية بامتياز ، فالحكومات في بلادنا تريد اعلاما في متناول اليد ، تحمله ما تعجز عن القيام به ، وتأخذه حيثما تشاء دون اعتبار لمهنيته ومصداقيته ، والبعض الآخر يختزل المشكلة في استجابة الاعلام التلقائية للتدخلات والضغوطات ، وفشله في انتاج خطاب مقنع ، وصناعة استقلالية حقيقية ، تدافع - بالتالي - عن هويته ومهنيته ووظيفته الوطنية ، وتردع الحكومات وغيرها من التدخل فيه وتحويله الى «اعلام مرعوب» كما وصفه احد رؤساء الوزارات السابقين.
قد لا يكون الوقت الان مناسبا للمحاسبة والتلاوم، اوللدعوة الى ترسيم العلاقة بين الطرفين ، فالمحنة التي تمر بها الصحافة الورقية اليوم تحتاج الى «موقف» من الدولة ، لا من الحكومة فقط، ذلك انه لا يمكن ان نتصور بان الدولة يمكن ان تستغني عن اذرعها الاعلامية التي حملت انجازاتها ، ودافعت عن قضاياها، كما لا يمكن ان نتصور بان الدولة ستدفع مئات الصحفيين الى الشارع ، علما بان بعضهم الان يتضور من الجوع بسبب انقطاع رواتبهم لعدة شهور ، واذا كان ثمة من يتهم الصحافة بالمسؤولية عما وصلت اله من اوضاع و يطالبها ان تحل مشكلاتها بنفسها، او تقلع اشواكها بيديها، فليس اقل من ان يتذكر هؤلاء بان الحكومات على اختلافها كانت شريكا للصحافة في صناعة ازماتها ، كما انها اغمضت عيونها عن محاسبة الادارات التي تسببت فيما وصلت اليه من مشكلات.
من المفارقات ان النواب - لاغيرهم - هم من اوائل من  فزعوا للصحافة وطالبوا بانقاذها ،مع انهم كانوا من اكثر الاطراف انتقادا لها ،  فيما لم نسمع اصوات الاخرين الذين تمددوا على صفحاتها واستفادوا من خيراتها ، والاغرب من ذلك اننا لم نسمع صوت المجتمع الذي انحازت اليه ضمائرنا دائما ، وكأن الصحفيين للاسف اصبحوا يتامى لا يجدون من يقول بحقهم اية كلمة خير .
السؤال : الى اين سيذهب هؤلاء الصحفيون اذا ماقدر على الصحف ان تغلق ابوابها ، وماذا سيكون مصير مئات الاسر التي تعتمد على هذه الصحف في توفير «قوت» ابنائها ، واية خيبة سيشعر بها حراس الضمير العام وهم لا يجدون من يساعدهم او يقف الى جانبهم في محنتهم او يكتشف بان الدولة تخلت عنهم..؟
في عالمنا المعاصر تقاس نهضة الدول باعلامها ، فهو سلاحها في التنمية وفي تحصين المجتمع ضد التدخلات والاختراقات الخارجية ، وهو - ايضا - سفيرها الى الخارج ، وصورتها الحقيقية التي تعكس نجاحاتها السياسية ، وحراكاتها الداخلية ، ورغبتها في الاصلاح والتطوير ومواكبة متغيرات العصر.ولنا ان نتصور كيف يمكن للدولة ان تجد من يحمل صوتها ومشروعها ومن يدافع عن قراراتها اذا افتقدت صحافتها الوطنية، واصبحت تبحث لدى اعلام اخر لا تعرفه ولا تملكه ولا تثق به عن مساحة لها او افق تتوجه من خلاله لمخاطبة مجتمعها او اقناع الاخرين بتوجاهاتها او حمل رسالتها الى من تريد.
 بصراحة، انقاذ صحافتنا من ازمتها المالية هو الخطوة الاولى لاعادة الروح اليها ، واعادة ثقة العاملين فيها بأنفسهم ودورهم وامكانياتهم ، واعادة ثقة المجتمع بقدرة هذه الصحف على تجسيد همومهم وطرح قضاياهم والتعبير عنهم بمصداقية والتعامل مع عقولهم باحترام وامانة.
لا نريد ان نقول: كان لدينا صحافة، أو كنا مدرسة في الاعلام ، أو ان نتحسر ونحن نرى شبابنا «المهاجرين» يحققون اعلى انجاز في منابر الاعلام الخارجي ، نريد - فقط - ان تعود لنا صحافتنا وان نعود اليها ، ان تكون قريبة الى اوجاعنا وقضايانا وطموحاتنا ، فلا احد يسعده ان تتراجع الى هذا الحد وان يبحث عن غيرها ليسمع او يرى اخبار وطنه.
انقاذ الصحافة  ليست  مسألة صعبة ولا مستحيلة ، فبقليل من الارادة السياسية والوطنية والحسم باتجاه الدعم والاصلاح الحقيقي والتطوير ومزيد من الحريات ، يمكن ان نحقق ذلك وننهي فصلا مؤلما من الغيبوبة القصرية والعبث والارتباك الذي اصاب صحافتنا الوطنية لاسباب نعرفها نحن والحكومات ايضا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش