الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الرجل الذي مات جوعا

يوسف غيشان

الثلاثاء 17 آذار / مارس 2015.
عدد المقالات: 1866

لم احصل يوما على اجازة مرضية، لكنني عندما اصاب بالتوعك، مثل حالة الرشح الشديد التي اعاني منها حاليا، ارجع الى مغائري الداخلية، وأعود الى مقتطفات من قراءات اعجبتني، اكون احيانا قد نقلتها على الأجندة(اتمنى عدم اتهامي بأني من اصحاب الأجندات)، وفي احيان اخرى تكون قد انطبعت في الذاكرة.
اليوم أعود لكم الى دفتر الذاكرة، وهو بالمناسبة محدود جدا ولا يتجاوز(4) جيجا، لذلك يكون التدوير والتخميس بداخله سهلا. أعود لكم اليوم قصة مترجمة للروائي الإيطالي إيتالوكالفينو تقول بما معناه، أنه  كانت هناك بلاد كل من فيها اللصوص. وتحت جنح الليل، كان كل ساكن من سكانها يخرج وقد تسلح بعتلة، وتزود بمصباح، يقتحم دار جار له. ولدى عودته عند الفجر، يكون مثقلاً بالغنيمة، كان يجد داره قد تعرضت للاقتحام كذلك.
وهكذا عاش الجميع في تآلف، ولم ينحصر المال بأحد، فكل منهم يسطو على الآخر، وذلك يسطو على من يليه، وهكذا دواليك. وفي هذه البلاد كان العمل مرادفاً للغش، سواء أكنت تبيع أم تشتري. كانت الحكومة منظمة إجرامية شكلت للسرقة من الناس، بينما يمضون كل وقتهم في خداع الحكومة. وعلى هذا النحو واصلت الحياة مسيراتها التي لا يعوقها عائق، لم يكن السكان أغنياء، ولا فقراء.
وذات يوم ـ وما من أحد يعرف كيف وقع ذلك ـ ظهر رجل شريف. وتحت جنح الليل، وبدلاً من الخروج بكيسه ومصباحه للسرقة، مكث في الدار، وعكف على التدخين وقراءة الروايات. وعندما أقبل اللصوص، شاهدوا الضوء في داره، وهكذا انصرفوا مبتعدين. لم تدم هذه الحال طويلاً، فقد قيل للرجل الشريف إنه أمر لا بأس به بالمرة إن يحيا حياة الدعة، لكنه لا حق له في حرمان الآخرين من العمل، وذلك أنه في كل ليلة يمكثها في بيته، تحرم عائلة من قوتها.
ولم يستطع الرجل الشريف الدفاع عن نفسه، فشرع بدوره في قضاء الليل خارج داره حتى الفجر، ولكنه لم يستطع إجبار نفسه على السرقة، فهو رجل شريف، ولا مناص له من أن يبقي كذلك. كان يمضي حتى الجسر، ويراقب الماء وهو يتدفق تحته، ثم يعود إلى الدار، ليجد أن داره تم اقتحامها وسرقتها.
وفي غضون أقل من أسبوع، وجد الرجل الشريف نفسه بلا نقود ولا غذاء في داره التي تم تجريدها من كل شيء ولكن اللوم وقع عليه وحده، فقد كانت المشكلة تكمن في أنه رجل شريف، الأمر الذي قلب النظام بأ سره رأساً على عقب، لقد ترك نفسه يتعرض للسطو دون أن يسطو بالمقابل على أحد، وهكذا كان هناك على الدوام شخص يعود إلى الدار التي كان ينبغي على الرجل الشريف أن يسطو عليها البارحة. وسرعان ما وجد من لم تتعرض دورهم للسطو، بالطبع، أنهم أغنى من الآخرين، وبالتالي لم يعودوا يرغبون في السرقة بعد الآن، بينما أولئك الذين أقبلوا للسطو على دار ا لرجل الشريف عادوا بوفاض خال، وبالتالي غدوا فقراء.
الآن أدرك الأثرياء أنهم إذا أمضوا لياليهم يمارسون الغنى فقط  فإنهم سرعان ما سيصبحون فقراء، وحدثوا أنفسهم قائلين.»لم لا ندفع أجراً لبعض الفقراء مقابل أن يمضوا فيسرقوا لحسابنا؟ وأبرمت العقود، وتم الاتفاق على الأجور والنسب المئوية (مع الكثير من الغش من جانب الطرفين، فقد كانوا لا يزالون لصوصا). ولكن النتيجة النهائية كانت أن الأثرياء أصبحوا أكثر ثراء، والفقراء غدوا أشد فقراً «
لمن قد يهمه الأمر: فقد مات الرجل الشريف جوعا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش