الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

نهاية جرّت نهايات

تم نشره في الجمعة 27 آذار / مارس 2015. 03:00 مـساءً

د. محمد عبدالله القواسمة
عندما يكون الحزن حادّا كالسكين يقطع نياط القلب، ويضعف التفكير، ويلهب الوجدان. ويغدو الحديث الموضوعي إزاء الظاهرة التي سببها ذلك الحزن ضربا من المستحيل. هكذا هي حالتي وأنا أنهض بالحديث عن صديقي الراحل عبدالله رضوان (13/3/2015)؛ فلا يمكن أن أكون موضوعيا، كما لا يمكن أن أكون وجدانيا خالصا وأنا مندوب للحديث عن دور الراحل في الشعر والنقد؛ لهذا ارتأيت أن أتناول الموضوع بالحديث عن النهايات التي جرتها النهاية الكبرى برحيل الصديق العزيز، فهذه النهاية الأليمة أنهت مشاريع وطموحات وأعمالا كان قد بدأ بها أو تهيأ لها عبدالله رضوان قبل رحيله الأبدي. وكان دوري فيها مستمعا أو مشاركا بالرأي تارة، وبالمشاركة الفعلية تارة أخرى.
من المشاريع التي حدثني عنها الصديق الراحل عزمه على دراسة التابو (الممنوع) في الرواية العربيّة، وأظنه بدأ هذا المشروع وقطع فيه شوطا طويلاً. ويوجد مشروع آخر كان ينوي التعمق في دراسته يقوم على إظهار صورة المؤمن في القرآن الكريم فقد كان المرحوم مبهورا بالصور التي يتجلى فيها المؤمن في النص القرآني، وربما كان هذا بتأثير نزوعه الديني القوي بخاصة بعد أدائه فريضة الحج، وإصابته بالنوبة القلبية الأولى.

ومن المشاريع التي شاركته الرأي فيها مشروع إصدار مجلة نقدية على غرار مجلة الكرمل الفلسطينية التي تصدر في رام اللّه. وبعد نقاش مستفيض اتفقنا على أن تصدر في البدء على شكل كتاب لتفادي المعوقات الرسميّة، واستبقنا تحديد عنوانها بالحديث عن المشاركين المقترحين لإصدارها، وبلغ بنا الحماس إلى تعيين الموضوعات التي سيتناولها العدد الأول، منها تكليف الصديق المترجم عودة القضاة بالكتابة عن الشاعر والناقد والقاص الأمريكي ادجار الآن بو وترجمة نماذج من قصصه، كما اقترحت أن أتناول الاتجاه الوطني في شعر عرار (مصطفى وهبي التل) وقد رحب الصديق عبدالله رضوان بالموضوع، واقترح بأدبه الجم أن يكتب الافتتاحية. وجاءت النهايّة فوأدت هذا المشروع.
ومن الأعمال التي أنجزها الراحل عبدالله رضوان انجازا تاما قبل وفاته، ولم تر النور، وكان لي شرف الإطلاع عليها وتدقيقها وتقديم ملاحظات بشأنها مخطوط مجموعته الشعرية التي عنوانها «ها أنا المجنون» وكانت البداية عندما أرسل إليّ المخطوط على عنوان بريدي الإلكتروني. اكتفيت أن كتبت له رأيي فيها ونشرته في احد المواقع الثقافية على الشبكة العنكبوتية.
والحقيقة كما اكتشفها الصديق رضوان بذكائه الاجتماعي أني أردت أن أبعد نفسي عن تقديم ملاحظات نقدية مفصلة عن المجموعة أظهر فيها المواضع التي لم يوفق فيها شعريّاً. رفض ذلك واتهمني بالتهرب من الموضوعيّة، وما تتطلبه الصداقة الحقة، من النصيحة الصادقة، والموقف السليم. وهكذا أعدت دراسة المجموعة، واقترحت إلغاء كثير من المقاطع وحذف بعض القصائد. عجبت أنه سعد بذلك، ووافق على ما اقترحته، وأذكر أنه قال إنه على استعداد أن يحذف نصف المجموعة على أن تبقى القصائد الجيدة. ويمكن القول إن ما كتبته عن المجموعة بعد أن أجرى الصديق رضوان التصحيحات اللازمة عليها طافح -كما أرى- بالصّدق النقدي. كتبت:
في قصائد الشاعر عبدالله رضوان التي وردت في مجموعته الأخيرة التي تحمل عنوان «ها أنا المجنون» جنون مطبق، مما يقربها من الشعر الحق، وأوضح ما يتجلى هذا الجنون في علاقة الذات الشاعرة بالأنثى؛ فهي رمز للحنان والسعادة والطمأنينة من ناحية، وأصل الحياة، وفيها سر الكون، وعلة الوجود من ناحية أخرى، وهي تبدو تارة الأم والزوجة والعشيقة، وتارة الوطن والأرض والحقيقة الخالدة.
كما تتجمع في هذه المجموعة تقنيات شعرية قلما تجمعت في مجموعة من مجموعات الشاعر السابقة، فهنا نجد الحوار الميثولوجي المكثف، والجمل الشعرية المتفاوتة طولا وقصرا، والقصائد المشهدية، والقصيرة، والألفاظ والصيغ الصرفية، التي أولع الشاعر بها وتلذذ، وبخاصة في مقاماته الشعرية: «مقام عمان، ومقام المليحة، ومقام السيدة «. من هذه الألفاظ: «تذرذر، تزنر، تزقو»، ومن أشهر الصيغ الصرفية التي ساهمت في إنتاج المعنى والإيقاع صيغة «تفاعل» كما في الألفاظ: «تقافز، تعانق، تطاير، تفاجأ».
لعلي أستطيع القول بعد التعايش مع شعر الصديق الشاعر عبدالله رضوان: إن قراءة مجموعته الأخيرة «ها أنا مجنون» تلقي أضواء ساطعة على مجمل تجربته الأدبية الطويلة التي امتدت أكثر من أربعين عاما، وتظهر أبرز خصائصها ومساراتها الشعرية».
وبلغ التعاون بيننا ذروته في إعداد حوار نقدي كان من المفترض أن نتناول فيه كثيرا من الموضوعات النقدية، وجهود النقاد في الأردن والوطن العربي، وأحوال الدراسات النقدية في الشعر والرواية وفنون الأدب الأخرى. وكان المنهج أن أرسل إليه السؤال عن موضوع ما عبر البريد الإلكتروني، ثم بدوره يجيب عنه، ويرسله إليّ وأقوم أنا بإبداء الرأي في إجابته، وأعد له سؤالا آخر عن موضوع جديد. وانتهى هذا الحوار المتكافئ بيننا بغياب الصديق الأبدي، واقتصر حوارنا على موضوعين اثنين، هما: النقد الأكاديمي، والنظرية النقدية. ولعلّ من المناسب أن أقدم تلخيصا لرأيه في هذين الموضوعين.
فالنقد الأكاديمي كما رأى الراحل عبر متابعته للمشهد النقدي العربي بعامة والأردني بخاصة أنه يركض باتجاه الهاوية، وان وجود استثناءات قليلة هنا وهناك لن تستطيع أن تجمّل الصورة السلبية السائدة، لذا فهو يقول بثقة إن النقد الأكاديمي عبر اشتغاله الرئيس على الظواهر ومدى تمثّلها في الأشكال الإبداعية بدلا من الاشتغال على النصوص نفسها، فإنه يهرب بعيدا عن النقد الأدبي.
أما عن النظرية النقدية وما يطالب به بعض النقاد، ففي اجتهاده أن لا وجود لمبرر مقنع للمطالبة بنظرية نقدية أدبية عربية لاستحالة تحقيق ذلك، فالأدب حالة إنسانية عامة تنطبق على كل الشعوب وكل القوميات، والنقد الأدبي لا يحتاج إلى نظرية نقدية أدبية خاصة به، بل هو يستفيد من المناهج التي تتيحها النظريات المجردة في مختلف حقول المعرفة ذات العلاقة بالأدب مثل حقول اللغات وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة ...الخ، وهذا يدفعه للمطالبة بالتمييز بين مناهج تابعة لنظريات علمية في حقول العلم والمعرفة المختلفة ذات العلاقة بالأدب، وبين مناهج ترتبط أو تعود لنظرية أدبية غير متحققة عمليا في حقل النقد الأدبي، ولا يرى تناقضا في ذلك أبدا، فالمناهج وسائل تستخدم في التحليل بغض النظر عن مرجعياتها المعرفية، بل إن الأدب كما النقد عموما لا يلبث أن يتراجع إذا خضع لمنظور العلم المجرد، لأنه يحمل طابعا إنسانيا شموليا يحيل خلال تحليله ودراسته نقديا إلى مختلف حقول المعرفة، فلماذا نقيده بنظرية تحد من انطلاقته إلا ضمن المسار الذي تحدده النظرية؟ لماذا نقيد أنفسنا- كما يتساءل- ضمن إطار نظري مغلق بينما الأدب بذاته وبخصوصيته يعطينا حرية واسعة وغير محددة بأفق نظرية واحدة، التي ومهما اتسعت تظل سجنا للأدب كإبداع وللدارس الناقد معا.
يقول باختصار: «لا داعي أبدا لوجود نظرية نقدية أدبية، فالأدب ودراسته تجربة شخصية تخضع لقواعد ومناهج عامة لكنها لا تقبل أبدا قيد النظرية الواحدة، وبخاصة اننا بتنا نعيش في عالم العولمة حيث القومية وقضاياها مجرد تعصب غير مبرر ولا مقبول....لا لنظرية نقدية أدبية عربية لانتفاء الحاجة الى ذلك».
لقد انتهى حوارنا بأن أبديت رأيي بما طرحه حول النظرية النقدية تمهيدا لتحويل الحوار إلى موضوع آخر، وقد كتبت له:  
**يبدو أننا نقف على طرفي نقيض في فهم طبيعة النظرية النقدية الأدبية. لكننا ـ كما أرى ـ متفقان على أن للنقاد أهمية في النهوض بالنقد دون تبعية للآخر الغربي. وهذا لا يعني عدم الإفادة منه بل يعني عدم الذوبان فيه. فإذا تم ذلك فسننتهي إلى أفكار نقدية تساهم في فهم الأدب وتجويده، لا شك أن وصولنا إلى هذا المستوى سيرتقي بالفنون الأدبية لدينا ويكون لنا مساهمتنا في الأدب الإنساني. هنا يخطر على الذهن الفن الروائي فقد كانت لنا مساهمتنا العالمية في هذا الفن عندما فاز الروائي العربي نجيب محفوظ بجائزة نوبل عام 1988 م. وذكر الرواية يقودنا إلى جملة من الأسئلة أعانك الله على الإجابة عنها، والأسئلة هي: بوصف الرواية فنا سرديا ، هل كان للعرب دور في هذا الفن؟ هل حقا الرواية الآن ديوان العرب؟ هل يمكن القول بوجود رواية عربية الملامح والصفات؟ هل للجوائز العربية أهمية في الارتقاء بهذا الفن؟ هل أنت راض عن كيفية تعامل النقاد العرب والنقاد في الأردن مع هذا الفن؟
كنت أنتظر منه أن يرد على ملاحظاتي وأسئلتي الكثيرة التي طرحتها لنبدأ الحوار حول موضوع السرد وفن الرواية. لقد حرمتني الغيبوبة من أن أقرأ ردّه على هذه الأسئلة، ثم جاء الموت الذي أنهى الحوار الكتابي بيننا، وحل مكانه الحوار الصامت الذي لا ينتهي.
كانت تلك النهايات التي انتهت إليها مشاريع عبدالله رضوان وطموحاته بسبب النهاية الحزينة. وآمل وفاء لصديقنا الراحل أن تنهض وزارة الثقافة والدائرة الثقافية في أمانة عمان الكبرى بطباعة ما لم  يصدر من مخطوطات مؤلفاته ونشرها وبخاصة مجموعته الشعرية «ها أنا المجنون». وأتمنى على جمعية النقاد الأردنيين أن يتبنوا إصدار مجلة نقدية ترتقي لتكون مثل مجلة الكرمل الفلسطينية أو مجلة الفصول المصرية كما كان يطمح رضوان. أما بالنسبة إلى الحوار الذي دار بيننا فسوف أنشره في القريب العاجل إن  شاء الله.
في النهاية رحم اللّه عبدالله رضوان فقد كان صديقا حميما تختلف معه لتحبه.

* ألقيت في الندوة التي نظمتها الدائرة الثقافية لأمانة عمان الكبرى في مركز الحسين الثقافي بعمان في 21/3/2015م.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش