الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بوح السنديان.. كتاب يخلط علم النبات والأدب والسياحة بذاكرة المكان

تم نشره في الأربعاء 1 نيسان / أبريل 2015. 03:00 مـساءً


عمان - الدستور
لقد وهب لنا الله عز وجل الكثير من النعم في أردننا الحبيب، منها التنوع الحيوي الغزير الذي يتجلى في العديد من الموائل الطبيعية كصحراء الحماد في البادية الأردنية، وغور الشفا المطل على وادي الأردن، وغابات العرعر الفينيقي والسنديان في إقليم البحر الأبيض المتوسط، وغيرها الكثير. وكل من هذه الهبات له خصوصية في نباتاته وأشجاره التي تأقلمت فيه عبر القرون، حيث تحتوي على أسرار ما نزال نكتشفها. وهذا الكنز المشبع بتاريخنا وتراثنا تنبثق منه هويتنا، وتقع على عاتقنا مسؤولية توعية من حولنا، وخصوصاً الأجيال القادمة بالتحديات التي تواجهنا.
يأتي هذا الكتاب من تاليف الدكتور نزار جمال حداد ليقدم حلولاً عملية مبنية على الحقائق العلمية، ويمازج بين التاريخ والتراث والذكريات والمشاعر والأحاسيس الإنسانية ليصبّها جميعاً في بوتقة واحدة تفوح منها نفحات العشق لتراب الوطن وشجره وحجره.
لقد وجدت في هذا الكتاب بوحاً تفاعلياً بين المكان والزمان والأشجار، ليحمل في كل موضوع من موضوعاته دعوة لحماية ما تبقى من مساحات خضراء، وقد أفلح الكاتب في توظيف المعلومة العلمية البحتة وفن القصة القصيرة، والنص الشعري والمفاهيم الأدبية وانعكاسات الذاكرة الشخصية في نصوص هذا الكتاب. لقد مرر الكاتب بسلاسة بين السطور حقائق علمية مهمة لتصبح مفهومة للعامة، وبطريقة تجعل حماية المقدرات الوطنية الطبيعية مسؤولية الجميع.
وخلال تجوال القارئ بين النصوص التي تستخدم في كل مرة أسلوباً مختلفاً ومميزاً تشعُر بنار الشوق تدفعك نحو الطبيعة، منشطةً في داخلك الرغبة العارمة في ممارسة مفاهيم السياحة البيئية بطريقة مستدامة، وتجعلك تمد يدك نحو المعول لتزرع ولو غرسة واحدة. لا يخاطب هذا الكتاب المتخصصين في العلوم الزراعية والبيئية والطبيعية فحَسْب؛ بل ويذهب أيضاً إلى النخبة الوطنية المثقفة من الأدباء والمفكرين ليستنهضوا معاً هِمَمَ العمل الجماعي لحماية ما تبقى من إرثنا الأخضر.
ويعرض الكتاب مفهوماً جديداً يخلط بين علم النبات والأدب والشعر والسياحة البيئية وبوح المكان وبوح الذاكرة، ويستدعي من التاريخ والتراث والأسطورة ليوظفها جميعاً في خدمة النص العلمي ليكتسي بقالب أدبي سلس يؤدي أهدافه في دعم البيئة وحماية مواردها الطبيعية ويراعي مفاهيم التنوع الحيوي.
ليس سراً أن هنالك شرخاً حقيقياً، بل هوّةً حقيقية بين إنسان هذا الدهر وما بين الطبيعة والبيئة المحيطة به، فلم يعد متاحاً أمام أغلب الجيل الجديد فرصة التمتع بمراقبة نملة تحمل شعيرة تكبرها حجماً بعدة مرات، ولا قوافل النحل العائدة نحو قُفرانها محملة بكرات حبوب اللقاح الزاهية الألوان، ولم يعد في قاموس الجيل الناشئ اللعب بحناء التراب، ولا فرصه التلذذ بعبق عطر خبز الطابون. ولم يعد اللعب تحت الخروبة والتهام قرونها واللعب ببذورها أمراً مسلياً، وأصبح طعم البلوط المشوي والقريش والبطم أمراً مستهجناً، وأقصى ما يعرفه الجيل الجديد حول النبات والبيئة هو ما تعلمه المدرسة.
 والطالب النجيب في هذا العصر هو من يتكبد عناء زرع بِضعَ حبوب من البقول في طبق من البلاستيك، وعلى تربة من القطن الأبيض في تجارب حصة العلوم. وأقصى ما يربط أبناء مدننا في غالبيتهم مع الطبيعة، بضع صور تأتيهم بكبسة زر على شاشة الحاسوب والتلفاز. وفي ضوء هذه الحالة من عولمة البيئة والطبيعة يستشعر المثقفون خطراً محدقاً يهدد مفاهيم المواطنة، وهذا الكتاب يؤسس في نهاية كل موضوع من موضوعاته لمفهوم إبراز المواطنة عن طريق الممارسة، وذلك من خلال حماية وزراعة الأشجار الحرجية والتاريخية المهددة بالانقراض، فليس أعظم من رابط بين الإنسان وتراب الوطن أكثر من غوص الأيادي في التراب لتتحد معه فتعطي حياة لشجرة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش