الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

بِئــــــــــرْ الحَيْـــــــــــرة

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2020. 12:00 صباحاً
(من أوراق مجهول النسب)

 قصة: نايف النوايسة
(1)
مثل قذاةٍ قذفتْهُأصابعُ إلى قارعة الريح.. تطارده الأسئلة من رصيف إلى رصيف، وتسحبه أذرع البئر إلى قاعها السحيق، وتغمره بالحيرة.. وكان ــــ إذّاك ــــ مُفَتّحُ العينين وقابضٌ على رِشاء الغاية بعد أن عنفته ال(ماما) في المؤسسة ذات لحظة وهي غاضبة: هيا هيا اخرجْ من عندنا وابحث عن والديك.. صدمة كبيرة.. تساءل في نفسه: ألم يموتا في حادث منذ عشرين سنة؟
تبخّر جدار البراءة كالحلم.. انتصب أمامه كون غامض من الأسئلة والشتات.. الغضب يقذف الأشياء الحقيقية من مداها المزيف.. صوت ال(ماما) مثل الرعد: هيّا غادر إلى قريتك فأهلك هناك ولا نريد رؤيتك.
هو الآن القذى المنبوذ في فضاء باهت.. في بئره العميقة.
(2)
والديك؟
قرية أهلك؟
ما المعنى؟
أسئلة مجنونة تطارده بلا رحمة.. إذاً، أنا لست من هنا، فهل ليفي الـ(هناك، هُنا) في مكان ما؟ وأين هذا ال(هُنا)؟
بئره المعتمة تركض به من سماء إلى سماء وتطوّحه من دنيا إلى دنيا، وهو متعلق بالرِشاء الطويل الممتد من فم الـ(ماما) إلى كل خلية مستنفرة في جسمه.. تجرد من المكان، وسُجّرت نفسه في لحظته المتدحرجة على سفح القلق.. هو كتلة عمياء تائهة بين كينونات أخرى.. تكسرت مشاعره تحت مطرقة الماما، فأحس ببرودة بئره التي تكتنف كل مفصل من مفاصله، ويتوسدها مثل فأر هارب.
تعلق بالرشاء (والديك.. قريتك).. اندس في المدى المفتوح، وليس أمامه إلاّ دروب من شوك وزوابع ومردة وأسئلة تتناوشه من كل ناحية..
لا يبالي، عليه أن يجري ويواصل البحث في البئر، والتشبث بالرشاء؛ فالليل أمامه طويل طويل.
(3)
احتوته الدروب الغامضة، وقادته إلى خرائط غريبة، لم يدرِ ما هي، ولم يكن يتوقع أن يشاهدها، كالأحلام تماماً، بئره تتبعه كظله، وصوت ال(ماما) سوط يُلهب ظهره وجعاً، وروحه عذاباً..
يحثّ السير.
إلى قريته! إلى والديه!
أين هما؟ ومن هما؟
خبأ في عمق الخيال صوراً لهما استلها من فوهة الغضب.. الماما كتلة نار داهمته في لحظة غفلة، وسيحمل هذه الكتلة قبساً يقوده إلى الخبايا اللائذات. رأسه مثقل بالأسئلة: ما شكل قريتي ولا يكفيني اسمها، وحين يقترب من ذكر والديه يخاف ويرتجف.
وطّن نفسه على غايته، وأغلق كل منافذ التردد، وخرج.. المدى الممتد رحب ومغلف بالغموض.
(4)
لا يعرف من أمور الحياة إلاّ شيئاً واحداً هي صداقته المتينة مع المسمار والخشب، وبرع في أعمال النجارة وكانوا ينادونه في المؤسسة بالمعلم عبيدان، وعند ذاك كان يميل رأسه تيّاهاً مفتخراً، غير أن طائفَ حزن راح يوشحه بوشاح الصمت، ويسكن عينيه بوضوح.. ويدرك مع مرور السنين أن أسئلة كثيرة تتولد أمامه فيتردد في طرحه وكلها تدور حول موضوع محدد هو(من أكون) فترتكس في خاطره حزناً مقيماً وخوفاً ظاهراً من الآتي، وبعد ذلك تجتاحه لهفةٌلمعرفة ما وراء قنبلة الماما حين بعثرت محتوياتها بين يديه..
«حتماً سأجد عملاً لأعيش، لكنني ما تركت المؤسسة كي أبحث عن عمل، وإنما عاصفة الماما هي التي أخرجتني من جنتها المزيفة».
(5)
أين ومن؟
سؤالان لم يغادرا شفتي..
دروب تسلمني لدروب، والبئر جنيّ يتلبسني وينفتح على جميع الجهات، يا لبرودة اللحظة! أنا وحيد ولا أدري من أنا، وكل من أراه يطاردني أو يهرب مني.. لا أدري.. أحس أن نظرات الخلق تحاصرني وتؤشر لي بشيء ما.. هكذا أعتقد، وليس لي رفيق إلاّ ظلي وهو ما بقي لي من أصدقائي..
كل شيء صامت من حولي، حتى الضجيج بات مكتوم الجلبة.. أريد أن أصرخوأعربد وأبكي، ولكن لماذا ولمن؟
تنتصب أمامي غيلان التوقع ومردة الهواجس، فأفرّ منها مرعوباً.. نظراتي تشفق عليّ فتحملني خارج الحافلة، إلى آفاق بعيدة قد تكون فيها قريتي، فأضحك في سرّي وأنا أتوهم الإجابات.
أحلم بها وبمشارفها فيخفق قلبي..
أنا الآن في قلبها، فيرسل قلبي عيونه في كل اتجاه..
لست وحيداً الآن، كدت أُصرّح بذلك، نعم أنا لست وحيداً.
(6)
والآن، إلى أين؟
أهي غربة؟ أهي وحدة؟ أحس بأنني لا تربطني علاقة بهذا العالم.. عالم مقرف..
الشمس تجر أشعتها إلى مخدعها..
لا أعرف أحداً، ولا يعرفني أحدٌ، وكأنني خُلقت وحدي في هذا الصمت الموجع.. عيناي تجوسان في المكان.. القرية جميلة وشوارعها تأخذك إلى المسجد.. قليلون هم الذين يسلكون الشوارع..
دخلت المسجد واصطففت مع المصلين لأصلي المغرب.. انتهت الصلاة.. وجوه جديدة فضولية، وأجزم أن نظراتهم المحمّلة بالأسئلة تطوقني.. أعرف بأنني غريب عليهم.. وكانت حقيبتي مهوىً لنظراتهم.. تناولت الحقيبة وخرجت..
مسحتْ عيوني باحة المسجد فوجدت زاوية قصية فتوجهت إليها، وجلست.. كنت أنتظر، وماذا ينتظر مثلي؟ انثالت عليّ الهواجس من كل ثقب كالدود.. لم أستطع ردها.. بئري المعتمة تطبق علي.. أكاد أنفجر.
(7)
وجدت نفسي مبعثرة بصورة مزرية داخل بئري.. مصائد لا حصر لها.. وما العمل؟ تناولت حقيبتي وبعثرت أشياءها أمامي، فهي عالمي الذي أبحث فيه عن ذاتي.. ملابس متواضعة، وزجاجة عطر، وأوراق الشخصية، وليس معي صورة ٌلعزيز أي كان..
حينما وصفتِ الماما قريتي باقتضاب وجدت وصفها يطابق ما أراه الآن.. إذاً، أنا في قرية أهلي.. دققت في حروف اسمي.. هل هذا الاسم هو اسمي حقاً.. عبيدان بن طحيان.. ولاحظت أن الألف مرتفعة فوق الطاء قليلاً وهذا ما يزرع الشك في نفسي بأن اسمي هو أيضاً إشكالية مثلي أنا، ومن الممكن أن يكون (ضحيان)..
ابتسمت بألم.. ربما يكون لي اسم آخر مات مع والدي..
يدٌ ناعمة تلامس كتفي وكأنها هابطة من كوكب آخر.. التفت نحو صاحبها.. رجل وسيم بشوش راح يأكلني بنظراته.. حاولت الابتسام للتخلص من نظراته.. كنت حائراً في بئري.. بادلته نظرة بنظرة في الحين الذي كنت فيه أغلق الحقيبة.. عيناه ترمشان وفيهما أسئلة..
(8)
فتحت شفتي لأتكلم.. تلعثمت ببعض الحروف المبهمة.. كان يبتسم ويهز رأسه.. تساءلت في نفسي: أهو بشر أو مَلَك؟! سأل: غريب؟ هززت رأسي موافقاً وقلت: أنا عبيدان بن طحيان..
طبطب مرة أخرى على ظهري، ثم واصلت: جئت أبحث عن عمل في هذه البلدة فأدركني المساء.. سألني: ألك مهنة؟ قلت: نجار..
كان الرجل طيباً جداً، ووجدت من الصعوبة الدخول إلى مكنوناته لأنه يقطع عليّ التفكير بابتساماته الودودة.. قال: أنت ضيفي الليلة، سنصلي العشاء وتبات عندي..
أسندت ظهري للجدار.. هدأت روحي واسترخت خلايا جسمي، وسرحت بعيداً.. هل هو من أقاربي؟ هل رآني قبل ذلك؟ هل هو من جنود الله أرسله لي ربي في اللحظة المناسبة؟
الصمت طائر خرافي خيّم علينا، وكنا نرده بالابتسام، الله أكبر تُوقف كل شيء وتحملنا إلى كف الرحمن.. أخذنا طريقنا إلى المسجد..
(9)
يده دافئةٌ جداً حين أمسك الرجل الطيب بيدي واصطحبني معه إلى بيته، فرحب بي مجدداُ.. ما الذي رآه فيّ وأعجبه مني؟ هل هو الإشفاق؟ هل هي الصلاة؟ هل طبعه هكذا؟ أسئلة كثيرة لم تفارقني.. أنا كون مزدحم بالأسئلة..
أجلسني بين أولاده وعرّفهم بي.. نظرات الأولاد تحفرني بصمت.. بعد وجبة العشاء أخذني إلى غرفة خاصة لأنام فيها ليلتي، وقال لي وهو يبتسم: نلتقي عند الفجر..
وحدي في هذا التيه المظلم، وبئري المعتمة تشدد عليّ قبضتها.. لا أدري ماذا في الغد؟ يا إلهي ماذا ينتظرني غداً! وكالشهب المنهمرة تحاصرني الأفكار والوساوس من كل جانب.. النوم يهجم علي فأقاومه.. ولم أصمد.. الماما غراب أسود يخرج من بين شقوق الليل وتطاردني بسوطها: اخرج من هنا وابحث عن والديك.. وأصحو من نومي مرات..
ومن والدي، وأين أجدهما؟
تتزاحم الكوابيس عليّ.. كنت ضائعاً بين النوم واليقظة.. تمنيت الهروب ولكن إلى أين؟ ينفتح الباب ويسعل الرجل الطيب، ويقول بصوت خافت: صلاة الفجر..
بعد لحظات أخذنا طريقنا إلى المسجد..
(10)
كان جو القرية صافياً.. لا ضجيج فيه.. ومآذن المسجد تحملك إلى السماء مطمئناً.. المصلون كأسراب الطيور الوادعة.. فاجأني الرجل الطيب حين قال: عندي منجرة وستعمل معي.. أأفرح أم ماذا أفعل؟ لا أدري.. اختلطت أمامي كل مشاعر التعبير.. بئري تشدني إلى القاع ليسدل عليّ أستار الصمت والحيرة، والرشاء يأخذني إلى الابتسام، فهززت رأسي وابتسمت فرِحاً لأول مرة..
كانت الشمس تهزهز الكون ليستيقظ، والصباح فتىً طلْق المُحيا يجري في عروقنا كالأمل.
إذاً، بعد قليل سأصبح من أهل القرية..
(11)
تراكمت الأيام، ولم يعد قادراً على ملاحقتها.. الرجل الطيب أنساه حتى اسمه.. وكان همّه الإخلاص في عمله ليضمن له مكوثاً طويلاً وهادئاً في القرية من أجل تحقيق هدفه.. والديه..
حين يراه الناس تظهر الدهشة على وجوههم.. وحب الفضول في البيئات الضيقة خانق جداً.. وما يدور بينهم: أهو يمني، مغربي، بدوي؟! كانوا يتعاملون معه بحذر.. الصمت سلاحه وقلة الاختلاط ملاذه لولا المسجد، فأصبح من الصعوبة اكتشاف سره..
حاجز كثيف أحاط نفسه به، ومن حسن حظه أن الرجل الطيب لم يسأله يوماً عن أصله والمكان الذي قدم منه، وإذا ناداه دعاه بـ(يا معلم عبيدان)..
(12)
من خلال المنجرة عرف كل الحارات والأزقة وتجمعات الشباب والعجائز، ورغم صمته المعهود وحذره فقد عرف كل شاردة وواردة في القرية، وهذا ما يسعى إليه، وبدأ يمسك بخيوط تمكنه من معرفة والديه..
كان يقترب أكثر من رصيف الأسئلة، وبئره المعتمة تطوقه بالحذر الذي أظهره كائناً شديد الغموض.. الرشاء بيده الآن..
قادته بصيرته ليعرف البؤر الحكائية التي تنثر كل شيء بثرثرة فاضحة، فحرص على الاختلاس منها دون أن يلفت نظر أحد إلى تطفله.. إنه مطعون بالقلق والأرق والوحدة، وعليه أن يصل إلى هدفه الذي بات قريباً منه.
(13)
ذات يوم، أخبره صاحب المنجرة بأن عمل الورشة سيكون في دار نَجْدٍ بن المصقطي، فرح كثيراُ لأن هذا البيت تلتفُّ حوله معظم خيوط هدفه.. ومن الصباح الباكر بدأ العمل، وكان المفترض أن ينتهي مبكراً ، لكن انقطاع الكهرباء أخّر العمل ساعات.. في هذه الفترة يكثر الكلام ويتشعب.. كان يراقب من بعيد ويتسمّع..
اقتربت منه عجوزان وعاينتاه بدقة وراحتا تتحدثان بأريحية، وكانت إحداهما تأكله بعينيها وتتفرس في وجهه.. أحس بذلك.. وقالت هامسة وهي تعاينه: هذا الولد يشبه (فلان) وسمّته، وبدأت تسرد على مسامعه قصة فاضحة مؤلمة، وكان من ثمرتها ولد اختفى منذ ولادته..
استطالت أذناه.. عاود العمل..صوتهما يرتفع كلما زاد ضجيج الورشة، وبصورة عفوية سأل: متى كان هذا؟ فذكرت العجوز التي تلاحقه بنظراتها اليوم والتاريخ وهي تهز رأسها.. التزم عبيدان الصمت فاسترسلت العجوز بسرد ما جاء من أجله..
تقفز بئره من عمق الدهشة.. الماما بصوتها الناري تحط فوق رأسه كالغراب..
أخرج بطاقته الشخصية خلسة وتأكد مما فيها.. سالت دموعه فأخفاها بكمه، إذاً، هو المعني.. هو من (هنا).. من هؤلاء.. لبس غموضه من جديد.. تجاهل العجوزين تماما حتى لا ينكشف أمره.. غيلان الصمت والحزن تناوشته بقسوة..
سؤال يهدر في رأسه: ماذا سيفعل بعد أن عرف والديه؟ أحدهما مات، وشريكته مختفية في مكان ما..
(14)
ناداه الرجل الطيب مراراً.. كان غارقاً في لجته يقذفه الموج من شاطئ إلى شاطئ.. وأسئلته تهوي على رأسه كالمطارق.. استرجع صمته وخوفه وجرحه، وارتدى بئره كالصدفة وانسل من الورشة خارجاً.. وابتعد بسرعة كي يأخذ حقيبته ويختفي..
إذاً، والدي قضى، ووالدتي هناااااك.. كان يبكي بصوت مسموع.. ويحاذر من الناس مثل كلب أجرب منبوذ..
اختفى من القرية تماماً..
(15)
يا لدروب التعب ما أطولها.. هو مندفع الآن دون توقف نحو المجول.. من مثلي يا الله في هذه المصيبة؟! أنا، إذاَ، تلك الثمرة المحرمة؟!
ما العمل يا رب؟
كان يجري بلا وعي.. وينادي: يا أمي!! ويضحك ويبكي، وقلبه يخفق كالمرجل.. وأي أم يناديها.. ابتعد عن القرية ويمم وجهه صوب أرض نجسة أنبتته.. صوب قرية أخرى تضغط على روحه، وكان يردد: لِمَ فعلتِ ذلك يا أمي.. الصمت بئر باردة تأخذه عبر الطرقات بعيداً بعيداً..
(16)
وَصَل.. لا أحد يستقبله ولا بيت سيتوجه إليه، وأمه المختفية حتماً في واحد من هذه البيوت المتلاصقة.. ماذا لو وجدتُها الآن وقلت لها أنا ابنك فلان؟ ماذا ستقول؟ كيف ستتصرف؟ وكيف سأكون أنا؟
لا، لا أريد أن أراها.. لا، لا.. عاد إلى حافلة تأخذه بعيداً.. الريح تصفق وجهه وهو يبكي بصمت ويحفر على وجهها أسئلته وآهاته..
في المدينة سأكون وحدي كمعظم الضائعين.. لي خالق سأحتمي به.. الحافلة تهزه مثل طفل صغير وهو يغفو على كتف جاره..

رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش