الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مراد بيال.. أديب عربي بملامح فرنسية

تم نشره في الجمعة 30 تشرين الأول / أكتوبر 2020. 12:00 صباحاً


 أحمد صادق الطوقان/ ناقد وشاعر من العراق
 للأديب مراد بيال لديّ حقان: حق الصداقة، وحق لأنه اختار لنفسه منهجا أدبيا عربيا يهرب منه أهله (الأدب العربي)، وهو الذي من أصول فرنسية قريبة المدى، عاش في الجزائر وبات فيها جزائريًا معتزا بانتمائه فرنسيًا جميلا باريسيًا بانتقائه، قرأت له كتابه «ظل الغزال»، وكتبت عنه وقفات عديدة، وحول جمالية التصوير الرومانسي بالشكل المحدث المتأثر بالأدب الفرنسي المفعم باللمسة القبانية والسيابية وشعراء التفعيلة الذي قد تأثر بهم الكاتب، وإن ما يحسب له في ظل ذلك أمرين:
أولهما: أن الكاتب ذو لغة فصيحة عالية ومعجم كلمات عربية واسعة، رغم أنه من أصول فرنسية كما ذكرنا (ويعيش الآن فيها أيضا).
ثانيهما: اللمسة الحداثوية الإبداعية في تجديد الصور الفنية والبلاغية.
رغم أني لا أستسيغ لفظة (قصيدة النثر) للكتابات المنثورة، لأن القصيدة شعرا والنثر نثرا فلا يجتمع تزاوج علمين في آن واحد فرض على الأدب، فيأبى الأدب ذلك، بما فيه من انتقاص للنثر. فالنثر علم مكتف بذاته له عشاقه ومعجبيه، مكثف في كل الفنون، ولأقولها بصريح العبارة أن النثر أكبر جمالية من الشعر حتى وإن كنتُ شاعرا، وهذا ما يعرفه الجميع أن الروايات (نثرية) هي الأكثر مبيعا عالميا، والقصص القصيرة والخواطر والحكم وغيرها من فنون النثر.. الأمر الذي جعلني أتصفح كتاب صديقي مراد لأجد فيه قصائد التفعيلة وبناءً موسيقيًا عاليًا وروحًا عربية تنبض بالجمال الباريسي، تكمن في ظل انتقائه لمعجم الألفاظ والتي هي محور وقفتنا، ثم لا يخلو من السرديات النثرية المكثفة بالتصوير الفني والأسلوب السهل الممتنع الذي أحاطه وأضافه جمالية وروحا.
فقد وقفت وقفتين نقديتين حول كتاب ظل الغزال اختزلت أحدها في «الظل والغزال» على محور العنوان، وذهبت في الأخرى على انتقائه اللفظي في قصيدة عيون المها..
فالوقفة الأولى: منها ما هو معروف في النظام الشعري ودلالات الألفاظ الشعرية أن الغزال رمز الجمال رمز الأنوثة رمز الرقة رمز الطبيعة رمز السرعة والحركة رمز المرونة و الخ.. ومنها سيميائيات كثيرة جدا، فللغزال نفس عربي معلق في جنح صقر وعين غزال، والمعروف أن الغزال من أسرع الحيوانات البرية ومعروف عنها سرعة الحركة وعدم الاستقرار، وأما الظل فإنه لا يكون إلا بالثبات والركود، حيث ينتج من انعكاس أشعة الشمس على شيء ثابت يظهر في زاوية الانعكاس ظله، وأما أن يجمع أديبنا بين الشيء ونقيضه فهنا تكمن الجمالية والبعد الفكري في سياق البرود العاطفي الذي استشفيته من انعكاس تفاصيل صوته الصادح شعرا ونثرا.. فلكي يكون للغزال ظل وجب أن يكون السنديان شعر المحبوبة الغزال.. فحين توقفت الصورة ثبت الظل فكانت الغزال شريعة حياة يحتويها النور والظلم.. فبات الظل لونا بلسما في تفاصيلها الغائبة..
الوقفة الثانية : اتزان الشاعر في معجم ألفاظه فما بين عيون المها وقوام الغزال وغابة السنديان وألوان الأرجوان وشقائق النعمان، يستجلب الشاعر معجما جماليا يضع به ألفاظا دلالاتها تتمركز في لب الجمال، إذ أنه تراه متنقلا في العصور الأدبية القديمة عيون المها علي بن الجهم أشهر القصائد العباسية مفردات تعلق بها قباني ورددها كثيرا.. الشقائق والأرجوان والغابات، وجميع هذه الألفاظ هي من معاجم عربية فصيحة، لا يشوبها أي ركاكة أو ابتذال.. انتقاها الشاعر لتعليل حالته في ظل غياب تل الغزال، التي كانت له ملاكا غائبة عن خياله، وغاب عنه سر الجمال...
إن لكاتب فرنسي جزائري يكتب بالأدب العربي مثل هذه الكتابات المصورة الحسية الرومانسية المشاعرية، وجب للنقد إنصافه وأن تكون له بصمته في الأدب العربي، وأن يُكتبَ عن حياته وشعره في الأدب المعاصر، إذ وجب الافتخار بهذا العمل التأثري الكبير، وهنا يقف علماء الأدب المقارن ليكتبوا عن هذا الأديب وينصفوا حقه.

رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش