الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الفساد وانعدام مصداقية دولٍ

عمر عليمات

الاثنين 10 آب / أغسطس 2020.
عدد المقالات: 77

ما إن وطأت قدما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بيروت حتى أعلن أن المساعدات الفرنسية أو الدولية ستدار بطريقة شفافة وواضحة لتصل مباشرة إلى الناس، وتبعته في ذلك كندا التي أعلنت أن مساعداتها ستذهب إلى شركاء «موثوق بهم»، في دلالة واضحة على انعدام الثقة بالحكومة اللبنانية والإقرار الضمني بأن منظومة الفساد أوغلت في تدمير البلد ونهبه.

الموقف الفرنسي والكندي لا يختلف عن مواقف دول أخرى رفضت بشكل غير مباشر تقديم المساعدة للحكومة اللبنانية، وهذا الأمر لم يأت من فراغ فقبل تفجيرات بيروت أظهرت نتائج التدقيق المالي في وزارة المالية أن أكثر من 27 مليار دولار مجهولة المصير، أي ما يشكل ثلث الدين العام اللبناني، ناهيك عن مليارات أخرى ستبقى طي الكتمان نتيجة الوضع السياسي المعقد في لبنان.  

النموذج اللبناني ليس الوحيد سواء في منطقتنا أو العالم، إلا أن العوامل السياسية المرافقة لمنظومة الفساد هي التي جعلت منه أكثر حدة وظهر بشكل صارخ، فالفساد والتعدي على المال العام هو أصل المشكلة، فالخراب لا يمكن أن يأتي من الخارج بل يبدأ من الداخل، فعندما يبدأ النخر في منظومة أي دولة ينطلق من استسهال نهب المال العام إلى أن يصل إلى مرحلة يكون الانهيار فيها ليس بحاجة أكثر من قشة لكسر ظهر الدولة.

الفساد المالي لا يمكن له العيش والاستمرار بلا تزاوج غير شرعي مع طبقة من السياسيين، وهنا تصبح المشكلة معضلة حقيقية، فمَن سيحاسب مَن، ليبقى الجميع يدور في دائرة الحرب الكلامية دون مكافحة فعلية للفساد وأدواته، وعندها من الطبيعي الوصول إلى مرحلة انعدام الثقة بين الشعوب وحكوماتها، والتأسيس لجسر قوي للتدخلات الخارجية، فمَن يتجاهل إصلاح نفسه سيأتيه يوماً مَن يفرض عليه شروطه ومعاييره مقابل تقديم المساعدة، هذا إن لم يصل الأمر إلى فرض حالة التبعية الكاملة التي لا تقتصر على الإصلاح المالي والإداري بل تتعدى ذلك للتدخل السياسي، فمن الحماقة اعتبار التعدي على المال العام مسألة مالية، بل هو مفتاح أم المشاكل الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، فما دام هناك فساد لا بُد أن يترافق مع تجاهل للظروف الصعبة للناس، وهذا ما يعني تحويل المجتمع إلى «طنجرة ضغط» قابلة للانفجار في أي وقت، فالثقة إن بدأت بالمرض مصيرها الموت طال الزمن أم قصر.

باختصار العالم لم يعُد يثق بالمسؤولين الذين جيروا مليارات من المساعدات لمصالحهم الخاصة، وتجاهلوا الهدف الأساسي من هذه المساعدات وهو تحسن الظروف المعيشية للناس، لذلك من البديهي أن نرى دولاً عديدة باتت تضع اشتراطات قاسية لأي مساعدات تقدمها لدول أخرى، بل تعدى الأمر إلى توظيف شركات تدقيق ومتابعة لمعرفة مصير كل دولار وكيفية انفاقه، فمَن لم يصلح باب بيته بنفسه سيأتيه يوماً مَن يقوم بالمهمة بدلاً عنه، هذا إن لم يجلس داخل البيت وينفذ برنامجه بحسب مصلحته لا بحسب مصالح صاحب البيت.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش