الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ماذا لو كان هذا الفيروس إلكترونيًا؟

تم نشره في الاثنين 10 آب / أغسطس 2020. 12:00 صباحاً

 أحمد بشير العيلة

يبدو من الوهلة الأولى أن السؤال المطروح يحمل تناقضًا وظيفيًا؛ فالفيروس الحيوي ليس هو الفيروس الإلكتروني، لكنهما يتفقان في النتائج الكارثية ما بين المرض أو الموت بالنسبة للإنسان لو أصابه الفيروس الحيوي، والخراب والانهيار الإلكتروني بالنسبة للفيروس البرمجي، ولذا نوجّه السؤال باتجاه توقع الكارثة الفيروسية الإلكترونية كوننا نعيش انهياراً حيوياً ولّدَ فزعاً لجميع سكان الكرة الأرضية على حدٍّ سواء، ستتوالد عنه لا محالة ظواهر وأحداث لم نسمع بها من قبل، وكون الحضارة كائناً عضوياً كما يقول الفيلسوف الألماني شبينغلر، متأثرًا على ما يبدو بنظرية ابن خلدون حول قوانين العمران ونظرية العصبية، وبناء الدولة وأطوار عمارها وسقوطها، وطالما أن حديثنا يعتمد على التوقع أو التنبؤ العلمي الذي هو من نتائج النشاط العلمي، فإن انتشار فيروس إلكتروني شرس يصيب كافة المنظومات والبرمجيات العالمية أمر ليس بعيداً عن التحقق.

مرّت الحضارة الإنسانية بكوراث في بنيانها المعرفي تمثل في حرق وتدمير المكتبات عبر العصور، فحريق مكتبة واحدة يخلق فجوة تاريخية ومعرفية ضخمة من الصعب سدها، بل ويهبط بخط التطور إلى مئات السنين وراءً، وقد تبدأ الجماعة البشرية في رحلة صعبة جديدة في صناعة المعرفة، كون درجات من السلم قد انهارت بالحريق أو التدمير، ما أدى إلى هبوط حاد في الرصيد لمعرفي وهزيمة مثخنة في السباق التاريخي.

إن تدمير عشرات المكتبات التاريخية والقضاء على محتوياتها عبر التاريخ لأسباب معظمها ذات طابع عدائي، يشترك في النتيجة مع إمكانية تدمير المعلومات في الحضارة المعاصر، بل إن الأخيرة أشد وطئًا وأشرُّ نتيجةً. فتدمير المعرفة يختلف عن تدمير المعلومات، فالمعرفة تحمل معلومات منتَجة محفوظة في وثائق وكتب ومخطوطات، أي لها علاقة بالكتابة، أما المعلومات فهي أشمل في المفهوم ولا تقف عند الكتابة واللغة وحسب، بل هنالك الدوال والخوارزميات والبرمجيات المشغلة لكل أدوات وأجهزة وآلات وبرمجيات الحضارة الحديثة من الاستخدام الشخصي إلى التحكم في محطات الفضاء، تشمل التقاط البيانات، وتخزينها، وتحليلها، والبحث عنها، وتبادلها، ونقلها، واستعلامها وتحديث خصوصيتها ومصدرها وأمنها. وقد ارتبطت البيانات الضخمة في الأصل بثلاثة مفاهيم رئيسية: الحجم، والتنوع، والسرعة ..

والآن نبحث عن مشروعية طرحنا لسؤالٍ كهذا: ماذا لو كان هذا الفيروس كوفيد – 19 إلكترونياً؟ ...

العالم اليوم، مترابط بشبكات ومنظومات تفوق التخيل في حجمها، وهذه الشبكات المحلية والعالمية تحمل ذواكر ضخمة التقليدية. تحمل كل المعلومات التي يُتعامل معها أو تلك التي يتم تخزينها، لاستعدائها وقت الحاجة، تقول شركة البيانات الدولية IDC إنه بحلول عام 2025، ستنمو البيانات حول العالم 4 أضعاف مما نحن عليه في 2020 من 44 زيتابايت لتصل إلى 175 زيتابايت»، من الصعب جدًا تخيل الرقم 175 زيتابايت من البيانات، لكن ديفيد رينسل، نائب الرئيس الأول في IDC، يقول في شرحه لها: «إذا كان أحد قادرًا على تخزين 175ZB على أقراص BluRay، فستكون لديك مجموعة من الأقراص التي يمكن أن توصلك إلى القمر 23 مرة». «حتى إذا كان بإمكانك تنزيل 175ZB على أكبر محرك أقراص ثابتة اليوم، فسيستغرق الأمر 12.5 مليار من هذه المحركات»، ولكتابة العدد فإننا نكتب 175 وأمامها 21 صفرًا أي 175 ألف مليار المليار.

ونرجع إلى سؤالنا، هل يمكن لفيروسات إلكترونية تدمير هذا الكم المهول من البيانات؟ الإجابة لا تستبعد النفي منطقيًا من ناحيتين؛ الأولى عملية، فمكن المحتمل إنشاء فيروس إلكتروني مدمر يتغلب على كل أنظمة الحماية، والثانية فكرية فلسفية، فالحضارات دول، ما إن تصل الحضارة إلى حدٍ أقصى حتى تنحدر، هذه هي المنطقية التاريخية، وإن حدث هذا التوقع العلمي (المتشائم) كيف سيكون حال البشرية؟، الإجابة تقترب من إجابة أينشتين حين سُئل عن أسلحة الحرب العالمية الثالثة، فقال: «لا أعلم بأي سلاح سيحاربون في الحرب العالمية الثالثة، لكن سلاح الرابعة سيكون العصي والحجارة». وحينها سيكون حجم الهلع أكبر بكثير من الهلع المصاحب لوباء عالمي، فموت المعلومات يعني انتهاء الحضارة..

حمى الله وجودنا وحمى معلوماتنا وبياناتنا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش