الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

قصر أصخيم في الأزرق ...تحولات التاريخ والجيولوجيا معاً

تم نشره في الأحد 9 آب / أغسطس 2020. 12:00 صباحاً

عمان-خالد سامح

يواصل مجموعة من الباحثين والفوتوغرافيين الأردنيين جولاتهم على عدد من المواقع السياحية والأثرية في أرجاء المملكة، مواقع ومعالم لم يسلط عليها الضوء الكافي لحد الآن ، ومن شأن تلك الجولات والرحلات إعادة استكشاف تلك الأمكنة بما تحويه من كنوز حضارية تروي حكاية الانسان في بلادنا واستيطانه منذ ماقبل التاريخ.

 

قصر اصخيم المجهول

آخر تلك الرحلات الاستكشافية كانت لمنطقة الأزرق، بقيادة الفوتوغرافي والباحث عبد الرحيم عرجان، وعنها تحدث لـ»الدستور» 

بعد منتصف الليل بقليل توجهنا من عمان إلى الأزرق على أن نصل مع الفجر نقطة الانطلاق من قصر أصخيم ، بمسار استكشافي لمنطقة الحرة ذات الحجارة البازلتية، دون وجود أي استراحة مظللة إطلاقاً، ضمن منطقة غير مرسمة بدروب رعي أو طرق ترابية لخدمة أهالي البادية، فهي مجهولة نسبياً وفيها من التاريخ المحير والجمال الطبيعي الاخاذ الذي شوقنا ليكون وجهتنا، المشي استمر لما بعد غروب الشمس بساعتين بمسافة تجاوزت الثلاثين كيلومترا.

من على أسوار القصر النبطي الأصل كان للشروق وقع خاص في بادية مغطاة بحجارة الحرة البركانية إلى مالا نهاية، بخيوط ذهبية غيرت أرض السواد إلى لآليء، جعلت الجميع يتأمل بصمت حتى ارتفعت الشمس من على فوق الأفق البعيد، جلنا بالمكان باستحداثة الروماني ومافيه من عقود وأقواس تهدم ما حولها من أسوار التي بقيت شاهدة على تاريخ ألفي عام من فوق مرتفع يشرف على طريق التجارة مع الجزيرة العربية وما كان فيها من ممالك في تيماء ونجد والحجاز إلى البحرين واليمن وعُمان وتفرعاته نحو قلعة أيبك بوسط مدينة الأزرق إلى قصري عمرة والحرانة الأمويين والطريق الممتد إلى الشمال باتجاه شجرة البقعاوية على درب دمشق التي استظل رسول الله عليه الصلاة والسلام تحتها حسب الرواية في طريقه إلى بلاد الشام، التي كانت غاية انتهاء يومنا لولا مداهمة الظلام والدوران حول قاع ماء عظيم.

معالم غامضة 

بعد هذه الجرعة الروحانية اتجهنا لنكتشف ضالتنا التي تداولها الإعلام الدولي و وسائل التواصل الإجتماعي بحيرة كبيرة عن غايتها ولماذا هي في وسط هذه الفيافي من السواد بين قيعان وغدران ماء الشتاء، بخطوط وتشكيلات ومساحات مختلفة بدوائر و نجوم هندسية ولولبية كأنها رسم أتى من عالم آخر، وتفردها بمنطقة الحرة مابين الأردن وشمال المملكة العربية السعودية وسوريا ضمن حوض الحماد العذب، فرسمنا مسارنا ليمر على عدد منها وحددنا بثمانية وثلاثين نقطة عبر جوجل إيرث برو، في حين فسرتها عدد من المصادر العلمية أنها مصائد حيوانية تعود إلى ما يزيد على خمسة الاف عام، كان الإنسان يطارد فريسته من غزال الريم والمها العربي ليجبرها على الدخول مابين الجدرالمتخذة الشكل القمعي بامتداد قد يصل إلى خمسة كيلو مترات، ولحشرها في نهاية التشكيل، لتقع في متاهة يصعب فرارها منها، فينقض عليها بأدواته الحجرية الراضة ورماحه القاطعة.

محمية طبيعية 

من مشاهداتنا لهذه المواقع على أرض الواقع وجدنا أن بعضها مغلق كلياً ومقسم إلى أجزاء كأنها مساكن ومستعمرات بشرية، بارتفعات متفاوتة تصل إلى متر ونصف المتر وسماكات مختلفة، ومن هذا المنظور فهي ليست فقط للصيد بل للسكن ايضا، لقربها أيضاً من مصادر المياه، وقد تكون بعضها زرائب لما استأنسة الإنسان من حيوانات بذلك الوقت، وعلل عدد من العلماء أن هذه الدوائر المغلقة قد تكون ذات علاقة بمعتقدات دينية تعود للعصرين؛ البرونزي والنحاسي.

من معوقات هذا المسار أن المشي كان على حجارة بازلتية ذات أصل بركاني صماء حادة غير ثابتة في الأرض، الأمر الذي يتوجب عليك دوام التيقظ والحذر خشية التعثر وخطورة الإصابة عند السقوط على الأرض، ولتفادي ذلك يتطلب منك ارتداء حذاء يغطي الكاحل و الارتكاز على عصي المسير، وتوالي خطواتك بخطوات زميلك الذي يسير أمامك حسب توجيهات قائد المجموعة، وازداد الأمر صعوبة عندما خيم الظلام والاعتماد على مصباح الراس، ومع هذا العناء إلا أن نشوة الاكتشاف والتعرف تزيل التعب وتزيد الإصرار على العودة لاكتشاف المجهول، وللطبيعة السمراء كان لها جمالها؛ فغدران الماء والقيعان مصدر حياة آخر ويتجدد من عام إلى عام وبمساحات امتدت على مرأى النظر، فهيا موطن للطيور المحلية والدولية لتوسطها القارات الثلاث في طريق الهجرة أو فترة التزاوج، والتي على أثرها أصبحت منطقة الأزرق محمية طبيعية مصانة حسب معاهدة رامسار، فيما اكتشف ضمن محيطها أقدم هيكل عظمي بشري في تاريخ المملكة ويعود إلى 22500 عام أي العصر الحجري الوسيط المبكر.

وعليها فإن هذا المسار قد يكون نقطة جذب جديدة في عالم السياحة لدمجه مابين السياحية الجيولوجية والطبيعية والتاريخية والدينية، وأزلية باديتنا وارتباطها ببدايات الوجود البشري على وجه الأرض.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش