الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تأملات

تم نشره في الجمعة 7 آب / أغسطس 2020. 12:00 صباحاً

د.جميل أبو سارة
1 - نحن لا نحلم بدولة حديثة حقوقية وديمقراطية لأجل أننا سنخلد فيها، ولا لأجل ترفنا وترف النوع الإنساني بعدنا... فليس ذلك من مكنة الإنسان في هذا العالم ولا طاقته وإنما لأن دولة الحقوق هي المكان الوحيد الذي نعبر منه إلى «الخير» الأسمى الذي وجدنا أنفسنا نحيا في غمراته وتحدياته
وهي المكان الوحيد الذي تتصاغر فيه النفوس القبيحة البذيئة التي يمكنها أن تملأ الخافقين بالأذى والقمع والعدوان؛ لأجل ذاتها المستكبرة، أو يدها المتسلطة... ودون أن يرف لها جفن.
ليس ثمة خيار آخر لأجل الإنسان.
2 - في حِجاجه عن الحريات المدنية والفردية...لما بلغ جون ستيوارت مل (ت1873م) الحوار مع من يدّعون أنهم «حراس الوطن والدين» من بقايا الكنيسة، ألزمهم حجة غاية في الجرأة والإقناع...ألزمهم بدم المسيح نفسه!
وخاطبهم: إن قتل المسيح لم يُقترف إلا على أيدي أمثالكم من السلطات المتجبرة وخدامها من حاملي الأختام الإلهية!
وإذا ادعيتم الفرق بأنكم أتقى وأورع عن ارتكاب ذلك «فالمظاهر تشير إلى أن هؤلاء الناس [يعني مضطهِدي المسيح] لم يكونوا من الأشرار، فهم ليسوا أسوأ من عامة الناس، بل على العكس كانوا رجالا لديهم من المشاعر الدينية والأدبية والوطنية السائدة في عصرهم وبين قومهم قدرا كاملا.
كما أن ذلك الكاهن الذي مزق رداء المسيح عندما سمعه يردد تلك الكلمات التي كانت - في نظره ووفقا للأفكار السائدة في عصره - أشنع ذنب وأفظع جرم كان مخلصا فيما أبداه من الفظاعة والغضب، إخلاص عامة رجال الدين من ذوي المكانة في ذلك الحين فيما يظهرون من العواطف الدينية والأدبية.
ولو أن معظم هؤلاء الناس الذين تقشعر أبدانهم اليوم مما أقدم عليه هذا الكاهن قد عاشوا في عصره، وولدتهم أمهاتهم يهودا مثله، لما فعلوا إلا كما فعل، ولما تصرفوا بغير هذه الكيفية ذاتها.
وعلى هؤلاء المسيحيين الأرثوذكس [وأشباههم من أتباع الملل الأخرى] الذين يتوهمون أن الذين رجموا الشهداء الأوائل حتى الموت أسوأ منهم خلقا وطباعا، عليهم أن يتذكروا أن القديس سانت بولس كان أحد هؤلاء الراجمين» [حول الحرية، ص50]
يريد أن البشرية لن تتخلص من مثل هذه الكوارث إلا أن تؤمن  بمنظومة الحريات والحقوق.
3 - بذل اسبينوزا (ت1677) جهدا مضنيا في كتابه «رسالة في اللاهوت والسياسة» كي ينبه العقلية الدينية القروسطية إلى محركات حداثية دينية، ولم يكن ذلك عن محض رأيه وفلسفته، وإنما عبر آيات الكتاب المقدس ونصوصه، فكان من أهم ما توصل إليه أن المدار في رسالة الأنبياء منحصر بما سماه «غاية الوحي وجوهره»، وإلا فالمقام ليس ببعيد عن مقام «البشرية».
في السياق العربي الإسلامي لا يحتاج أحد إلى بذل هذا الجهد المضني
فالآيات القرآنية كثيرة جدا تلك التي تتحدث عن «بشرية» الرسل والأنبياء، وعن «اجتهادهم رأيهم» في خطابهم قومهم وإدارتهم شؤونهم، وتتحدث عن إصابتهم وخطئهم في اجتهادهم، وهو أمر مستقر في كتب العلوم الدينية أيضا...بيد أنه لم يُنتج حداثةً لدى المدارس الدينية التقليدية بسبب مصادرات «أصولية فقهية» عديدة التفَّت على «البشرية»، وطمست قيمة «الاجتهاد»، ولم تستكمل رسالته، أعني رسالة «الإنسان المجتهد» في هذا العالم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش