الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

هارون هاشم رشيد.. شيخ شعراء فلسطين

تم نشره في الجمعة 7 آب / أغسطس 2020. 12:00 صباحاً

 د. زياد أبولبن
كان لقائي مع شيخ شعراء فلسطين هارون هاشم رشيد (شاعر العودة) في بيته في القاهرة عام 1990، كان لقاء يرتدّ بي إلى أيام الدراسة، ونحن نتغنى بقصيدته «لاجئ»، ومطلعها:
«أنا لن أعيش مشردا/ أنا لن أظل مقيّدا/ أنا لي غدٌ وغداً سأزحف ثائراً متمردا».
وأذكر فيروز التي غنّت عدداً من قصائد هارون هاشم رشيد، ومن أبرزها قصيدة «لماذا نحن أغراب؟:
«لماذا نحن يا أبتي/ لماذا نحن أغراب/ أليس لنا بهذا الكون أصحاب وأحباب»
وقصيدة «سنرجع يوماً»:
«سنرجع يوماً إلى حيّنا/ ونغرق في دافئات المنى/ سنرجع مهما يمرّ الزمان/ وتنأى المسافات ما بيننا».
كما أذكر فايدة كامل التي غنّت قصيدة»لن ينام الثأر»:
لن ينام الثأر في صدري وإن طال مداه
لا ولن يهدأ في قلبي وفي روحي لظاه
صوت أمي لم يزل في مسمع الدنيا صداه
وأبي ما زال في قلبي وفي روحي نداه
إن تقدم ثابت الخطو إلى الثأر تقدم
تقحم حالك الأهوال للثأر تقحم
سوف تطويك الليالي أسود إن لم تتعلم
وقد لحن «نشيد عائدون» محمود الشريف الذي لحن نشيد الله أكبر، وكان يقول: أريد أن يكون هذا النشيد مثل نشيد الثورة الفرنسية:
عائدون عائدون
إننا لعائدون
فالحدود لن تكون
والقلاع والحصون
فاصرخوا يا نازحون
إننا لعائدون
كان هذا النشيد يمثّل النشيد القومي في غزة، وفي عام 1966 أنشدت الفرقة الصينية في غزة نشيد عائدون، وكان ذلك بعد قيام الثورة الفلسطينية، وقد غُنّي له أكثر من خمسين مقطوعة شعرية.
دار حوار بيني وبين هارون هاشم رشيد عام 1990، فتذكّرَ أيامَ هروبه من غزة التي ولد فيها عام 1927، كان ذلك عام 1967 عندما هرب من غزة إلى نابلس في سيارة كان يقودها سائق إسرائيلي مقابل أجرة، ومعه مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في غزة ورفيقه زكي خيال، واختبأوا في بيت الشكعة، ثم هربوا إلى الأردن، وليس هذا الهروب الأول، فقد هرب قبلها من غزة إلى العريش عام 1956، وكان حارس السيارة يهوديا، وعندها دخلت القوات الدولية إلى المنطقة، فخرج إلى القاهرة، والتحق بإذاعة صوت العرب.
تلقى هارون هاشم رشيد دعوة بصحبة وفد من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني واللجنة العليا للاتحاد القومي للسفر إلى دمشق، رغم أنه لم يرتبط بعلاقة مع المجلس أو اللجنة، وكان أصغر المسافرين سنّاً، وقد وصلوا بطائرتين حربيتين، وحضروا احتفالاً أقيم هناك، وقبل سفرهم وفي ساعة المساء حدد للوفد موعد مقابلة مع الرئيس عبد الناصر، وجاءه فاروق الحسيني وقال له: إن ترتيبات اللقاء مع الرئيس تستدعي أن يُلقي رئيس بلدية غزة كلمة الوفد، وتلقي أنت قصيدة، فهل أنت مستعد لذلك، فقلت له: سأكتب القصيدة هذه الليلة، وكان يقيم في فندق أقام فيه عبدالجواد عامر وعصام حسونة المستشار القانوني لعبدالناصر، والذي أصبح فيما بعد وزيراً للعدل، وفي اليوم الثاني استقبلهم عبد الناصر في قصر الضيافة، فألقى منير الريس كلمة بالإنابة عن الوفد حيّى فيها الرئيس، وتتضامن معه في وجه عبد الكريم قاسم، وبعد أن انتهى من كلمته قال عبدالناصر: علمت أن من بين الوفد المشارك شاعر شباب فلسطين، فهل لنا أن نسمع شيئاً من شعره، فاعتبر هارون هاشم رشيد ذلك ذروة ما مر في حياته، وألقى القصيدة بين يديّ عبدالناصر:
اضغط زنادك يا جمال/ دقت طبول النصر تهدر/ والوحدة الكبرى أطل/ وتملل العملاق/ يجتث ما صنع الفساد/ ويردد الصوت الحبيب/ لا قسام منا ولا منا/ نشد للوطن الرجال/ في الجنوب وفي الشمال/ صباحها والليل زال/ عملاق عروبة النضال/ والانقسام والاحتلال/ الحر يرعب بالمقال/ دعاة الانفصال.
فغرورقت عينا عبد الناصرعندما سمع:
أنا على عهد الثبات/ فمعسكرات في الجنوب/ أبداً باسمك يا جمال ترنو إليك حبيبها/ اضغط زنادك تلتقي/ ولن نحيد عن الثبات/ وفي الشمال مخيمات/ مرددات هاتفات/ ومجيرها في النائبات/ الرايات في كل الجهات.
وحدّثني عن ذكريات الماضي، وتلك الذكريات كان لها وقع خاص في نفسه، مما أثارت شجونه، فقال: كان حلمي وأنا أحضر مهرجان الشعر العربي في الخمسينيات أن يقام في بلدي، حتى أقمنا المهرجان في غزة عام 1966، وكان الفضل يعود إلى يوسف السباعي، فاتفقت معه آنذاك أن يأتي الشعراء إلى موطن المأساة واللاجئين، فمعظم الشعراء العرب حضروا إلى غزة، وكثير منهم كتبوا قصائد عن المأساة، وكنت أشرف على ضيافتهم في فندق الأمل، وجاءني المرحوم الصديق صالح جودت، وقال: تعال وشاهد أحمد رامي كيف يكتب قصائده؟ فوجدته منبطحاً في غرفة يكتب قصيدة وهو يجهش بالبكاء، وكان من عادته أن يكتب بقلم رصاص على ورق مطوي، وبعد ذلك حدثت نكبة عام 1967، وبعد عام 1967 تواصلت في لقاءاتي مع أحمد رامي ومحمود حسن إسماعيل وصالح جودت ورجاء النقاش وأحمد عبد المعطي حجازي، وكانت دار الأدباء ملتقانا، وأنشئ اتحاد الكتاب الفلسطينيين في مؤتمر أقيم في غزة، وانتخبتْ الأمانة العامة، وأنا عضو فيها، وكنتُ المضيف للمؤتمر، وكان غسان كنفاني مشغولاً جداً في شعر الأرض المحتلة، فيقرأ للناس، ويوم الانتخابات تصادف أن تساوت الأصوات بيني وبين غسان كنفاني، فكان على أحدنا أن يتنحى عن المقعد، فأصر كلانا على التنحي، فقرروا إعادة الانتخابات، تم انتخابي بالأمانة، ولم أكن مشغولاً بالانتخابات قدر اسماع الناس شعر المأساة، وبعد ذلك عقد مؤتمر اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين في بيروت، وتم انتخابي في الأمانة العامة في أول انتخابات لها خارج الوطن، وبعد ذلك قررت التفرغ للشعر والكتابة، ولم يشغلني اتحادات، فانتمائي الأول لفلسطين.
كان لعمان وقعها الخاص في نفس هارون هاشم رشيد، وقال لي: عندما أزور عمان أجد فيها أكبر جمهور يستقبل شعري، وأسعد به كثيراً، وأجد هناك الجمهور الحقيقي، وأذكر أنني كتبت قصيدة في عام 1967، ونشرت في جريدة «الدستور» في الصفحة الأولى، كما كانت تنشر قصائد شوقي وحافظ إبراهيم في الصحف المصرية، وعلى المدى الطويل حتى قبل النكبة كنت على تواصل مع الأردن، أذكر أنني حضرت مؤتمر المشرفين على شؤون اللاجئين في عمان، وعلم بوجودنا سمو الأمير الحسن فطلب أن يلتقي بنا في القصر، فذهبنا رجالات المؤتمر والذي يضم لبنانياً وسورياً وأردنياً وفلسطينياً والجامعة العربية، وكان يرأس الوفد نمر المصري، وجلسنا واستمعنا إلى سمو الأمير الذي تحدث حديثاً حول التنمية والمستقبل، وفوجئت أن الذي كان يجلس بجواري يقول: إن الأمير يوجه حديثه إليك، قائلاً: إن من بين الوفد شاعراً، فهل نستمع إلى الشعر؟ فقلت: طالما أن حديثنا عن اللاجئين، فأنا من أوائل من دقّ أوتاد الخيام، فأول قصيدة لي غناها محمد فوزي، ونشرت فيما بعد، فأقول:
أخي مهما أدلهم الليل/ ومهما هدّنا الفقر/ أخي والخيمة السوداء/ غداً سنحيلها روضاً/ غداً يوم انطلاق الشعب/ سنمشي ملء عين الشمس/ غداً في زحمة الأقدار/ فلسطين التي ذهبت/ سوف نطالع الفجرا/ غداً سنحطم الفقرا/ قد أمست لنا قبرا/ ونبني فوقها قصرا/ يوم الوثبة الكبرى/ نحدو ركبها الحرا/ سوف تحقق الأمرا/ سترجع مرة أخرى.
وقال سمو الأمير نريد أن نسمع أكثر، فقلت: أذكر أنني نظمت قصيدة أنادي فيها شعبي بالضفتين:
أخي في الضفتين/ ومن أعماق أعماقي/ أعانقه على النصر/ وأما لدم الداعي/ هناك من قلبي أناجيه/ أصافحه أحييه/ الذي صنعت أياديه/ سيفديني وأفديه.
فالتفت إليّ سمو الأمير، وقال: هذه حقيقة تاريخية لا يُنكرها أحد في وحدة الشعبين.
رحم الله هارون هاشم رشيد شاعر فلسطين. رحل وترك بيننا شعراً خالداً، بعد رحلة طويلة أمضى فيها 93 عاماً.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش