الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

القائمة

تم نشره في الجمعة 7 آب / أغسطس 2020. 12:00 صباحاً

موسى إبراهيم أبو رياش
طمأنه الطبيب أنَّ حالته الصحية تتحسن، إثر الجلطة التي أصابته قبل ثلاثة أيام، وأنه سيخرج من المستشفى بعد يومين أو ثلاثة على أكثر تقدير. شكر الطبيب بكلمات واهنة خافتة. أجال النظر حوله، فرأى الغرفة مليئة بكبار موظفي شركاته، وأفراد أسرته، فطلب أن يتصلوا بالمحامي ليحضر على وجه السرعة. تبادل الحضور النظرات المتساءلة عن سبب هذا الاستدعاء؛ فأفراد الأسرة يتوقعونه لكتابة الوصية، وكبار الموظفين لإعادة النظر في المناصب العليا، وربما الاستغناء عن خدمات البعض.
حضر المحامي، فطلب سعيد الماجد من الجميع الخروج، فخرجوا إلى قاعة مجاورة، يترقبون ما تسفر عنه الخلوة المستعجلة، وكل منهم يتخيل نصيبه ووضعه وما ينتظره وربما مصيره. تفرس في وجه المحامي جيدًا، وسأله: هل عرفت أي أخبار جديدة عن القائمة؟ تساءل المحامي ببلاهة: أي قائمة؟!
أخبره أن الجلطة التي أصابته، كانت بسبب ما وصله من أخبار عن قائمة أعدتها الحكومة وأجهزة الدولة النافذة؛ للقيام بإجراءات قاسية وصارمة وربما صادمة بحق عدد كبير من الشركات؛ بسبب مخالفات مؤكدة، في جانب التهرب الضريبي، والاحتيال الجمركي، وهضم حقوق العمال، والتلاعب بالجودة، ومخالفات بيئية، وشركات وهمية، وغيرها، وأن الدولة أمهلت هذه الشركات ثلاثة أشهر لتصويب أوضاعها، وشددت على منع أصحابها ومديريها وكبار موظفيها من السفر، وتراقب التحركات المالية لمنع أي حركات مشبوهة أو غير اعتيادية للأموال السائلة أو الأسهم أو العقارات.
استغرب المحامي هذه الأخبار التي لم يسمع بها، وسأل عن مصدرها، فأخبره أنها وصلته من رقم خاص، ولم يحدد المصدر الشركات، وترك الجميع على أعصابهم.
فقال المحامي: أتفهم قلقك ووضعك، ولكن، ماذا ستفعل؟ فنظر إليه بغضب، وقال: قلقي؟؟ إنها كارثة، مصيبة، خراب بيت.. وأنت تعرف حجم مخالفات شركاتي وأعمالها غير القانونية.. أتعرف كم كلفة تصويب أوضاع مجموعتي التجارية؟؟ هزَّ المحامي رأسه بالنفي، فأستأنف سعيد الماجد: إنها تفوق خمسمائة مليون دينار يا أستاذ، نعم، بحسبة سريعة، خمسمائة مليون على الأقل، تصور هذا الرقم الضخم، وهذا ما جلطني، وعندما ستطير من بين يدي سأموت بلا شك.ثم أضاف: اسمع، أريدك أن تتشمم أي أخبار عن القائمة، وتخبرني أولًا بأول، واطلب من المدير المالي الدخول، ومن البقية الانصراف إلى بيوتهم، فأنا مشغول، ولا أرغب في رؤية أحد.
انصرف المدير المالي بعد تلقي مجموعة من الأوامر والتعليمات. فتح سعيد الماجد جهازه الخلوي، فوجد مجموعة من الرسائل من المصدر المجهول ذاته، تذكر أسماء بعض الشركات، ومنها مجموعته العملاقة، وتؤكد أن لا تهاون هذه المرة، فقد بلغ السيل الزبى، ووصلت الأمور إلى خطوط حمراء، لا يمكن السكوت عليها أو التغاضي عنها، وأن مصلحة الوطن فوق أي اعتبار، وأنه آن للفساد أن تغرب شمسه، ويجتث من جذوره.
اتصل الماجد ببعض خطوط اتصالاته العالمة ببواطن الأمور وخوافيها، فأخبروه أن أوراقهم أصبحت مكشوفة، وأن لا سبيل لهم على أي معلومة أو خبر فيما يخص القائمة نفيًا أو إثباتًا، ولكنهم لا يستبعدون ذلك؛ بسبب الظروف الصعبة التي تمر بها البلد، وضرورات الإصلاح الاقتصادي.
استعرض الماجد حياته وصراعه من أجل أعماله، وكيف قاتل وخاصم وتحالف ليكبر ويكبر، حتى أصبح أحد حيتان البلد، بل ديناصوراتها المفترسة، وكم دفع من رشاوٍ، وقدَّم من هدايا، ووظَّف من أجل تمرير أعماله، وتسهيل أموره، والسكوت عنتجاوزاته ومخالفاته. إن القائمة التي ظهرت هذه المرة بحزم وقوة، مع تأكيدها على توفر الأدلة والإثباتات على كل المخالفات، هذه القائمة ستدمر كل ما بناه، وإن لم يتدبر أمره بسرعة، سيصبح أثرًا بعد عين، صحيح أن ترك الأمور لإجراءات الحكومة والقضاء سيكون أقل كافة، ولكنه سيكون مدمرًا على المدى البعيد، فهو سيضرب سمعة شركاته ويجعلها في الحضيض، وسيعطل أعمالها إلى حين الانتهاء من الإجراءات المطاطة، وسيحرمها من عطاءات ومناقصات ومشاريع طوال فترة طويلة، وقد يؤدي بها إلى الإفلاس، ولا مجال للهرب أو تهريب الأموال، في ظل الإجراءات الرقابية الصارمة ومنع السفر، كما أكد المصدر المجهول، الذي أثبت له أنه مطلع على كثير من الخفايا؛ بما ذكره من حقائق ووثائق تتعلق بشركاته، ومخالفات لا يرقى إليها الشك.
عقد الماجد اجتماعًا طارئًا لأركان مجموعته في المساء في جناحه في المستشفى، وأخبرهم أن مرضه جاء فرصة ذهبية؛ لإعادة النظر في مسيرته وحياته، وأن الدنيا لا تغني عن الآخرة، ولذا فقد عقد العزم على مراجعة كل إجراءات وأعمال شركاته، والحرص على موافقتها للقوانين، وعدم ارتكاب أي مخالفات في أي جانب من الجوانب، وضرورة مراجعة ملفات العمال والموظفين وتصويب أوضاعم أينما تطلب الأمر، وأصدر تعليماته للاستفادة من أي منافذ أو ثغرات قانونية؛ ليس للتحايل–لا سمح الله- ولكن للتخفيف من وقع الإجراءات على الشركات، والتقليل من خسائرها المتوقعة؛ ضمانًا لاستمراريتها، وحفاظًا على موظفيها وعمالها، وعدم الاضطرار للاستغناء عن بعضهم، أو إغلاق بعض الشركات، ووجه أوامره بتعيين طاقم قانوني استشاري ليكون تحت تصرفهم.
بعد شهرين، وصلت للماجد رسالة من ذات المصدر، تثني على إجراءاته وتصويب أوضاع شركاته، وتطالبه بالمزيد، فما زال اسمه في القائمة، وشركاته تحت المجهر والإضاءة الكاشفة. جنَّ جنونه، وثار وغضب، ولما هدأ، عقد اجتماعًا لأركان مجموعته التجارية بحضور طاقم المحامين، وأصدر تعليماته الصارمة بتكثيف الجهود لمراجعة الأداء، والتأكد من قانونية كل إجراءات وحركات وأعمال الشركات، وعدم التهاون مع أي مخالفة، وأصدر توجيهاته بالتبرع لصالح الجمعيات الخيرية والمساجد التي تحت الإنشاء، وبناء مسجد كبير باسم (أبو سعيد الماجد) أي والده، مع ضرورة الاحتفاظ بالوصولات المالية، ولما سأله أحدهم لم لا يسم المسجد باسم والده الصريح؟ جحرة بنظرة أرعبته وحجمته، ولما استفسر وبحث فيما بعد، علم أن اسم والده «خربوش»!!
انقضت الشهور الثلاثة، وتبعها شهران، ولم يحدث شيء، ولم يقترب أحد من شركاته، أو يسأله شيئًا.وذات عشاء في فندق ضخم فخم، جاءت جلسة سعيد الماجد بجانب مسؤول كبير مُطاع ومسموع الكلمة، فسأله على استحياء عن القائمة وما تم بشأنها من إجراءات، وهو مطمئن إلى أوضاع شركاته، فاستغرب المسؤول سؤاله، واستوضج منه أكثر، فأخبره عن أمر الرسائل التي أتته من مصدر مجهول، فسأله: وماذا فعلت أنت؟؟ فأخبره بملخص ما فعل، فضحك المسؤول، وقهقه حتى تجاوب صدى ضحكاته الصاخبة في أرجاء القاعة، ثم توقف واعتذر للجميع برفع يديه، وهمس للماجد: مقلب كبير أكلته، صحتين وعافية، لا وجود لأي قائمة، وما وصلك كانت لعبة من أحدهم، فلعب بك وبغيرك بالتأكيد، ورقصَّكم على العشرة، ولكن، أتعرف، خيرًا فعل، ورب ضارة لكم، نافعة للوطن، فقد أحسن المجهول تأديبكم، وحجَّم جشعكم، وقلَّم أظافركم، وقدَّم للوطن خدمة كبيرة، يستحق وسامًا رفيعًا عليها، وقد كنت أتساءل عن سبب ما يحدث، ومسارعة الشركات لتصويب أوضاعها، وكنا نظنها نخوة وشهامة وصحوة ضمير، ومنك الآن عرفت السبب الحقيقي، «ناس بتخاف ما تستحي».
اصفرَّ وجه سعيد الماجد، وجحظت عيناه، ثم تهالك عن مقعده إلى الأرض وهو يضع يده على قلبه، فصرخ المسؤول الكبير: قائمة، قائمة... أقصد إسعاف، إسعاف، بسرعة، الرجل سيموت، بسرعة، هل يوجد طبيب هنا؟

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش