الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

سيراميك

تم نشره في الأربعاء 5 آب / أغسطس 2020. 12:00 صباحاً
فدوى بهجت خصاونة

استيقظ النهار على ضجيج أقدام الشمس وهي تلف الأرض شيئا فشيئا حتى طرقت شرفة تستظل أغصان زيتونة هرمة فلا زال زيتها يضيء؛ كالأجداد يبقى لديهم الإصرار على العمل دونما تبذير أو تقتير.
جلست الجدة على الشرفة بجوار إصيص فيه نبات الريحان، تلقي أحمالها على عكاز خشبي لتتوضأ بعرق السنين حتى إذا لامست قدماها الأرض استشعرت شقوقا عريضة في بلاطات الشرفة.
نظرت إلى زوجها النحيل وقد اشتعل رأسه شيبا وبدت خريطة الزمن واضحة على وجهه، وعروق يديه كالطرقات الممتدة عبر سني الزمن وقالت: أبو محمد استدعي لنا شخصا ليصلح هذه الشقوق فأنت ترى أن الأرضية متهالكة، متكسرة، عفا عليها الزمن، تخرج منها الأتربة، وتعشش فيها الحشرات.
فما كان من أبي محمد إلا أن استجاب لها؛ فقد كان مستاء من حال الشرفة فهي ملاذهم لمجاورة القمر والنجوم في أمسيات صيفية وكذلك لاستشعار الضوء والدفء في نهارات شتاء مشمس.
وبصوت متقطع نادى أبو محمد البستنجي الذي يعمل بخدمتهم وقال له :أبو فارس أريدك بالحال.
فلديه قناعة أن البستنجي يفعل كل شيء فيكون مهندسا تارة وحارسا تارة وحتى أنه طبيبا بارعا؛فهو يقوم بجمع الأعشاب والأزهار من حديقة المنزل ليستخدمها في علاج أمراض المعدة والقولون وكثيرا ما قام بغلي النعنع والزهورات وعمل مساجا بزيت الزيتون لصاحب المنزل الذي يعمل فيه.
أمضى البستنجي وقتا طويلا في إصلاح الشرفة وهو يتلقى التعليمات ويفعل ما يؤمر فكان يصيب حينا ويخطئ أحيانا.
وأثناء العمل لاحظ أن هناك بلاطة مكسورة تماما ؛فبحث هو و أبو محمد في مستودع أسفل الدرج عله يجد بلاطة مناسبة ؛فأخذ يقلب الأنتيكات ويمسح عنها الغبار إلى أن وجد بلاطة سوداء اللون فنظر إليها مليّا؛على ما يبدو أنها مناسبة.
وتابع البستنجي عمله بالترويب والترقيع وكانت الجدة وزوجها يتبادلان التوصيات لتغطية الشقوق حتى انتهوا من إنجاز المهمة والعمل الشاق .
ثم قاما بتنظيف الشرفة ومسحا الأتربة والغبار وجلسا يحتسيان الشاي وقد بدت السعادة والراحة على وجهيهما كطفلين فرحين.
والأطفال عادة يفرحون بكل ما يرونه جديداً ؛والجديد اليوم شرفة بأرضية بيضاء يتوسطها بلاطة واحدة سوداء يسهران عليها يتحدثان عن ذكريات الماضي و يطالعان نجمتين خافتتي الضوء حتى تأفلا كما يأفل الأجداد ويغادروا كل الأشياء .
فمن طبع الحياة أنها تتقلب وتتداول بين الناس ويحكم القدر على أبو محمد وزوجته بالحق لتمتد يد الموت إليهما وبذلك تنتقل ملكية المنزل إلى ابنهم الأوسط.
وفي اليوم الأول لدخول الابن وزوجته (بيت العيلة) ليسكنا فيه أخذت زوجته الشقراء تتفقد البيت بعينيها الضيقتين وحاجبيها الرفيعين وبدأت تغير من تفاصيله القديمة فتخلصت من السراج والغربال والهاون وحتى صور الذكريات المعلقة على الجدران؛ وما إن خرجت إلى الشرفة حتى شعرت بالدهشة وشيء من الاشمئزاز وقالت بصوت عال مستهجن: ما هذا؟
ما هذا الديكور؟
أنا لا أقبل أن أعيش في بيت قديم وشرفته بهذا الشكل البائس؛ غداً أحضر لنا مهندسا ليعيد تصميم البيت ولتكن البداية هدم أرضية هذه الشرفة بكاملها؛ أريد أن أختار لها (سيراميك) بلون جميل.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش