الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مثقفون: لا نريد أن نكون مستلبين للآلة وحماستنا للفضاء الافتراضي حماسة نفسية

تم نشره في الاثنين 13 تموز / يوليو 2020. 12:00 صباحاً

عمان – عمر أبو الهيجاء

الفعل الثقافي لا يتوقف عند ظرف من الظروف، فهو فعل استطاع رغم الكوارث والأوبئة الحروف بقي صامدا ومنتجات في شتى الأجناس الأدبية.

ويتساءل هنا، الشاعر والروائي والإعلامي المغربي ياسين عدنان، هل يعني الاكتفاء بالفضاء الرقمي كفضاء وحيد لتلقي منتوجات الثقافة والفن والاستغناء به عما سواه؟ أم أن الفضاء الإكتروني ليس سوى فضاء عرض مؤقت قد نقبل استثناء في انتظار ان نعود إلى فضاءاتنا الثقافية؟

فيما يرى القاص مفلح العدوان أن الفضاء الرقمي فعل انساني نابض علينا أن نعززه، ولا نكون مستلبين للآلة، وللوسيط الذي وجد ليؤدي وظيفة تخدم الثقافة والإبداع.

بينما ذهب الروائي محمد سناجله للقول: رأى أن المتمسكين برائحة الحبر وعث الورق فلهم الله ورفوف المتاحف.

من هنا، نتساءل هل الفضاء الرقمي والجدل القائم حوله أصبح الأكثر إلحاحا في ظل جائحة كورونا، علما بأن هذا الفضاء الرقمي موجود من ذي قبل؟!!

 القاص والروائي مفلح العدوان:

إن الفعل الثقافي فعل حي وديناميكي يستطيع أن يتجاوز كل الأزمات، ليخرج بشكل أكثر ثباتا وقوة وحضورا، وهذا ينطبق في الصعوبات والملمات والحروب والظروف الاستثنائية وهذا ما يحدث الآن في جائحة كورونا. لكن المنتج الإبداعي والثقافي لا يتوقف في ظل هذه الظروف، ولذا فهناك كثير من الأفكار والكتب والروايات والقصص والأفلام ورسومات والصور والأفكار المبدعة كان الظرف محركا لها، وعاملا مهما في انتاجها كفعل ابداعي خلّاق، وحضور ثقافي فكري مبدع. غير أن ظروف الحظر هذه جعلت من المهم التفكير في وسيلة لتجاوز الظروف الموجبة للحظر، وأقصد هنا الناقل والوسيط لهذا الفعل الثقافي، وقد كان متوفر ومألوف لدينا وهو الفضاء الرقمي، وقد كان موجودا قبل جائحة كورونا، واستثماره في فترة الحظر وأثناء موجة انتشار الوباء، كان ضرورة في ظل حدث اضطراري، والعاقل من يستثمر الفرص ليخفف من الأزمات ويحرّك السكون في مرحلة الإغلاق والخوف.

لكن المرعب فيما يحدث الآن، أيضا، هو هذا التركيز الذي يروّج لهذا الوسيط الرقمي، كحالة يراد لها أن تستمر حتى بعد الخروج من الأزمة والظرف الطارئ، ترويج يحدث بشكل غير منطقي، هو تسويق كأنه فعل تجاري للتحول الرقمي هذا، وفي السياق الثقافي الإبداعي، (يمكن تسويغه في الجانب الاقتصادي والتكنولوجي والمالي والمصرفي وغيرها من القطاعات الأخرى، لكن في القطاع الثقافي والإبداعي المسألة بحاجة إلى تأني وتفكير!!)، وكأن الحياة والأشخاص والفعل الإبداعي والفاعل للإبداع سيتحول إلى عالم من الريبوتات، يكون فيه الإنسان والفاعل الثقافي، والفعل الثقافي، جزء من الديكور وتابع لهذا الوسيط الذي عرفناه قبل الجائحة ونستخدمه في إطار الوسيلة والوظيفة التي وجد لها، لا أن يكون هو الحالة وهو الأصل وهو الفعل وهو الفعالية، بحيث يصار الى الحديث عنه كروح جديدة للعمل الثقافي وللعصر بفكره وحراكه ومنجزه. هناك روح للفعل الثقافي وللفعاليات الإبداعية، اذا انتزعت من الحالة ينتفي منها عنوان الثقافة والابداع والفن، وهذه الشاشة الفضية ليست تلك الروح التي أتفاعل معها، إذا كانوا يريدون تحولا رقميا، واحتكاما كاملا للفضاء الرقمي، حينئذ هم يريد قتلا لروح الفعل الثقافي والفني الإبداعي، إذن فليغلقوا كل المراكز الثقافية، وقاعات القراءة، والمسارح، والمدرجات، وصالات الرقص، وساحات الغناء والفرح، وفضاءات الرسم والنحت والتصوير، فليفعلوا كل هذا وأكثر اذا كانت الحالة السائدة التي سنحتكم لها مع الجائحة، وحتى بعدها، هي لهذا الفضاء الرقمي. أعتقد أنه إذا صارت الحالة السائدة هي الفعل الثقافي ضمن إطار الفضاء الرقمي فقط، فإن كل منا سيتحول عالمه إلى كهف معزول عن كل معالم الحياة، وليس في هذا الكهف إلا تلك الشاشة وجهاز الهاتف بلا روح ولا حياة ولا فن ولا إبداع.

أنا أريد المسرح كما أعرفه، وأنا أكتبه منذ التسعينيات، ولا أشعر بالمسرح دون حضور وممثلين وجمهور وخشبة وموسيقى وإضاءة، حتى الصخب أريده مع المسرح، حتى الازدحام أمام بوابة المسرح، وهذا ينطبق أيضا على الغناء، وعلى القراءات الشعرية، والمحاضرات الفكرية، كلها أريدها بروح حقيقية، لا شريط تسجيل، ورابط افتراضي، وميكروفون وسماعة، ولحظة بدء ولحظة نهاية فقط.

هناك مبرر لاستخدام هذا الفضاء الرقمي في حالة الأزمة، للضرورة، لكن الوضع الطبيعي والحقيقي والإبداعي، أننا في الفعل الثقافي، نحن مع فعل انساني نابض علينا أن نعززه، ولا نكون مستلبين للآلة، وللوسيط الذي وجد ليؤدي وظيفة تخدم الثقافة والإبداع، لا أن يكون هو الأساس فيصادر هذه الروح التي يقوم عليها فعل الثقافة والإبداع وكل مراتب الفنون.

 الروائي والرقمي محمد سناجلة:

رأى أن المتمسكين برائحة الحبر وعث الورق فلهم الله ورفوف المتاحف.

فقال: المجتمع الرقمي مجتمع قائم منذ سنوات طويلة، منذ بدء الثورة الرقمية قبل نحو عقدين من الزمن، وبالتالي فهو ليس عرضا طارئا بل شيئا أصيلا ومتجذرا ، والثقافة والأدب جزء من هذا المجتمع الرقمي الأصيل.

ومع الثورة الرقمية بتجلياتها وتحولاتها المستمرة لم يعد العالم قرية صغيرة كما كان في بداية الثورة بل صار أصغر من قبضة اليد مع ثورة الهواتف والتطبيقات الذكية. العالم بين يديك، وكذلك الثقافة التي تشهد تغيرات جذرية على مستوى الإنتاج والتلقي.جائحة كورونا لم تأت بجديد، ولكنها اكدت المؤكد. لقد قلتها قبل نحو 20 عاما: وداعا للورق. أما المتمسكون برائحة الحبر وعث الورق فلهم الله ورفوف المتاحف.

 الشاعر والروائي المغربي ياسين عدنان:

كان رأيا مخالفا، تساءل قائلا : ماذا عن الفضاءات الافتراضية واللقاءات الافتراضية بعد الحجر؟ الرقمي ليس زمنا قائم الذات، وإنما هو إبْدالٌ يمكن اللجوء إليه في ظروف استثنائية؟

وبيّن حين أشار لم تنتظر الحياة الثقافة أجواء الحجر الشامل بسبب كورونا لكي تترقمن. وإلا، فالتحول سابق على هذه الجائحة. والفضاء الرقمي تحوَّل منذ زمن إلى فضاء للنشر والتوزيع بالنسبة للكِتاب، ومجال للتفاعل والتَّشبيك بين الناشطين الثقافيين، وفرصة للعمل الثقافي المشترك.

رأى أن ما يحصل الآن هو فقط نوع من الاستثمار المكثف لهذه الممكنات المتاحة منذ زمن. وربما المراهنة عليها بشكل أساسي، حتى بالنسبة للمجالات التي ظلت مُمتنِعَة على هذا الفضاء الرقمي، كالمسرح مثلا. نعرف أن مشاهدة الأفلام والمسلسلات الدرامية مُتاحة منذ زمن على اليوتيوب وفي مواقع منذورة لهذا الغرض. كما ندرك أن الكتاب مُتاح على الشبكة، سواء ككتاب رقمي، أو ككتاب صوتي مسموع، أو حتى ككتاب مقرصن. الموسيقى أيضا حضورها طاغ حتى أن الكثيرين استغنوا عن الكاسيت والسيديهات، بل وعن أجهزة التسجيل والراديو مكتفين بما تخزنه ذاكرة اليوتيوب ومعه عشرات المواقع الموسيقية والغنائية المختصة على اختلاف الألوان الفنية، يتلقون مادتها عبر هواتفهم وحواسيبهم المحمولة، لكنَّ واقع الحال اقتضى من مستهلكي المادة الثقافية التردد على الفضاءات الرقمية لتلبية احتياجاتهم التي زادت بسبب فائض الوقت الذي أتاحته ظروف العزل.

أعتقد أن الحماس الذي نُبديه اليوم للفضاءات الافتراضية هو حماس نفسي.. وترحيب طبيعي بكل المبادرات التي ترفع عنا الحصار. وإلا، فهو فضاء عرض محدود الجودة. فهل تنفع شاشة الهاتف أو الحاسوب بديلا عن شاشة السينما؟ وهل تخلف في وجدانك جولة مبتسرة تقوم بها دون أن تبرح بيتك في متحف افتراضي نفس الأثر الذي تتركه فيك زيارة متحف عريق تنقلت إليه برحلة في الطائرة وسددت ثمن تذكرة الدخول وخصصت وقتا معتبرا للطواف في قاعاته والاطلاع على ذخائره؟ هذا عن العرض، وإلا، فمن الصعب، اعتبار الفضاء الإلكتروني فضاءَ إنتاجٍ بالنسبة لعدد من الفنون والمشاريع الثقافية. فإنتاج مسرحية مثلا يحتاج اجتماعات وقاعة تداريب، مثلما يحتاج إنتاج معرض تشكيلي مرسما، وإنتاج فيلم استوديوهات.. وحتى البرنامج التلفزيوني الذي يحترم معايير الإنتاج والفرجة التلفزيونيين يحتاج بالضرورة إلى طاقم وبلاطو تصوير.

إن الرقمي ليس زمنا قائم الذات، وإنما هو إبْدالٌ يمكن اللجوء إليه في ظروف استثنائية. لكن لا يمكن المراهنة عليه بشكل استراتيجي. كل المطلوب اليوم، الاستفادة منه باعتباره آلية تتيح لنا اختراق واقع الحجر. أما أن يصبح هذا الفضاء بديلا لباقي فضاءات الانتاج والعرض الثقافيين والفنيين، فهذا إعلان عن انحسار هذه الفنون وتراجعها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش