الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الكورونا وسرديّات الطاعون

تم نشره في الخميس 4 حزيران / يونيو 2020. 12:00 صباحاً
د. غسان اسماعيل عبد الخالق

يندر أن نجد أمة على وجه الأرض، لم يخضّب الطاعون ذكرياتها القريبة أو البعيدة بالرعب والألم والحزن الشديد. ومع أن القارّة الأوروبية العجوز هي الأكثر شهرة على صعيد تكرار الوقوع في براثن هذا الوحش المخيف، إلا أن الذاكرة العربية الإسلامية تمور أيضا بالعديد من الجراح بسبب الطاعون.

ومما يجهله أو يتجاهله، كلّ من أعادوا قراءة رواية (الطاعون) للفيلسوف والروائي الوجودي الفرنسي ألبير كامو، وكتبوا عنها في ضوء تصاعد جائحة الكورونا، أن المؤرّخ والفيلسوف وعالم الاجتماع العربي الجزائري ابن خلدون، ما كان ليسطر مقدمته الخالدة، لولا عدد من الظروف الموضوعية القاسية التي أحاطت به، وعلى رأسها الطاعون الجارف الذي أحاق بالجزائر في عام 749 بعد الهجرة، حتى طوى البساط بمن فيه على حد تعبيره، لأنه أهلك خلقا كثيرا من بينهم والده وغير قليل من أساتذته.

لقد خلّف هذا الوباء في ذاكرته جرحا لم يندمل؛ ليس لأنه حرمه والده العزيز وليس لأنه حرمه كثيرا من أساتذته الذين يجلّهم... فقط، بل لأنه جرّعه أيضا مرارة القسوة في الحياة وفي الطبيعة حتى انعكست في آرائه حول العِمران البشري وأثر البيئة في هذا العِمران. وكيف لا تنعكس وهو من قال عن هذا الطاعون إنه (تحيّف الأمم وذهب بأهل الجيل، وطوى كثيرا من محاسن العِمران ومحاها وجاء للدول على حين هرمها وبلوغ الغاية من مَداها، فقلّص من ظِلالها، وفلّ من حدّها، وأوهن من سُلطانها، وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أحوالها، وانتقص عمران الأرض بانتقاص البشر، فخربت الأمصار والمصانع، ودَرَست السُّبُل والمعالم، وخلت الدّيار والمنازل، وضعفت الدول والقبائل)!

وقد شاء القدر لشاب فرنسي وُلد وتعلّم وتثقّف في الجزائر، أن يستعيد بعض دورات هذا الوباء في مدينة وَهران، من خلال رواية له عنوانها (الطاعون) فصدرت عام 1947 وأحدثت دويّا في عالم الأدب. كما شاء القدر أن يُعاد تسليط الأضواء الساطعة على هذه الرواية في خِضَمِّ الذّعر الذي رافق تصاعد وباء الكورونا، فتعرّف ملايين من القرّاء مجدّدا، على أبرز مآثر ألبير كامو الرّوائية، والتي تكاد أحداثها تتطابق مع ما جرى وقد يجري في العديد من أقطار العالم بسبب الكورونا؛ فالدكتور بيرنار الذي يقطن مدينة وَهران في مستهل الأربعينيات، لم يأبه كثيرا ببواكير انتشار الطاعون في المدينة، كما لم يأبه بتحذير المسؤولين فيها. لكنه سرعان ما اضطر إلى ذلك بعد أن أصيبت زوجته بالمرض، ليستغرق بعد ذلك في معالجة أرتال المرضى حتى أُذنيه، دون أن يسمح لنفسه بالتعاطف معهم حتى لا تضعف عزيمته، ودون أن يسمح لنفسه بتوهم الانتصار على الموت، لأنه يدرك أن هذا الوهم ليس إلا ضربا من العبث، وخاصة بعد أن أطاح الطاعون بنصف سكان مدينة وَهران التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار الفرنسي!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش