الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الكورونا ونظرية الأخ الأكبر 

تم نشره في الثلاثاء 2 حزيران / يونيو 2020. 12:00 صباحاً
د. غسان اسماعيل عبد الخالق

من أبرز التداعيات التي تمخضت عن جائحة الكورونا، انقلاب الرأي العام بواقع 360 درجة، على أغنى رجل في العالم (بيل غيتس)، والتشكيك بنواياه ومبادراته، إلى درجة الزعم بأن ما أنفقه وينفقه من مليارات على صعيد البحث العلمي بوجه عام وعلى صعيد التسريع بإيجاد لقاح مضاد لفيروس الكورونا بوجه خاص _ والذي ترافق بلغط عارم عن شريحة ستُقحم في ذراع كل من سيجري تطعيمه _ ليس إلا تغطية على طموحه للبدء في نشر نظام عالمي الكتروني جديد، يهدف إلى متابعة ومراقبة كل إنسان على وجه الأرض... ما دفع الناس إلى التظاهر في العديد من الأقطار، احتجاجا على ما يعتقدون أنه أخطر وأخبث مخطط للسيطرة على البشرية.

ومن أبرز التداعيات التي تمخضت عن هذا الانقلاب، إقبال الملايين من القرّاء وبكل اللغات الحيّة، على إعادة قراءة رواية (1984) للكاتب الانجليزي العتيد (جورج أورويل)، بوصفها الاستعارة الأدبية الأدق والأجرأ التي تنبّأت وشجبت في الوقت نفسه، النظم السياسية الشمولية بإطلاق، ولم يدخر كاتبها وسعا لتعرية وإدانة كل المفاصل الدقيقة لهذه النظم.

تدور أحداث رواية (1984) _ وعنوانها قلب متعمّد للعام 1984 _ في إحدى مقاطعات بريطانيا العظمى التي شهدت ثورة شعبية سرعان ما اعتلاها حفنة من السياسيين الانتهازيين، فحوّلوا المقاطعة إلى قلعة مغلقة مدجّجة بأجهزة التنصت وشاشات العرض التي تتابع وتراقب وتلتقط كل صغيرة وكبيرة، وعاقبوا كل من سوّلت له نفسه بالاختلاف أو المعارضة أو التمرد بالسجن والتعذيب والإعدام، وفرضوا على الناس لغة جديدة وعقيدة جديدة ورموزا جديدة، كما ألزموهم بتقديس زعيم الحزب الذي لا ينطق عن الهوى. ولتحقيق كل هذه الغايات، فقد استحدثوا عددا من الوزارات التي يخالف مسمّاها حقيقة أدوارها ؛ فوزارة الحقيقة مثلا مهمّتها تزوير التاريخ الوطني ووزارة الحب مهمّتها تعذيب المعارضين...الخ! ورغم هذا الطوق المحكم من الحصار، إلا أن بطل الرواية (وينستون سميث) الذي يعمل في وزارة الحقيقة، ينجح في التواصل عاطفيا مع (جوليا) ويُسِرّ لها بأفكاره وعواطفه الدفينة المضادة للنظام، فتُسِرّ له أيضا بأفكارها وعواطفها الشبيهة. لكن النظام يتمكن من اكتشاف ما يُسِرّانه ويعتقلهما ويعذبهما ويضطرهما للاعتراف على بعضهما البعض والعودة إلى تقديسه، بعد أن غامرا بكشف سريرتيهما، لصاحب إحدى الغرف المؤجّرة والذي يتظاهر بمعارضة النظام لاجتذاب المتمردين والإيقاع بهم!

ومع أن رواية (1984) تُعدّ استعارة مطوّلة للسخرية من الاتحاد السوفييتي في المقام الأول، إلا أن مراكز القوى في بريطانيا العظمى، لم يفتها ما اشتملت عليه من تعريض قاس بكل الأنظمة السياسية الطامحة لتنميط شعوبها وغسل أدمغتهم سياسيا وفكريا، وهو ما لم ينطبق على الأنظمة الشيوعية فقط، بل ينطبق أيضا على الأنظمة الراسمالية، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية بانتصار كامل وساحق ماحق على دول المحور، جعلها تسير على خطى المنظومة الاشتراكية وإن اختلفت الشعارات. وقد ضمّن أورويل روايته العتيدة هذه العديد من المصطلحات التي غدت أيقونات في معجم اليسار الثقافي الديمقراطي في العالم، وعلى رأسها طبعا مصطلح (الأخ الأكبر) الذي يؤكد ويرمز ويدل ويعني الوصاية السياسية والفكرية المطلقة للزعيم الفرد وللحزب المتفرّد، على ضمائر ومشاعر وأفكار الجماهير. ورغم كل ما أحاط بصدور هذه الرواية من ملابسات ومفارقات غريبة وعجيبة، إلا أنها ترجمت إلى كل لغات العالم الحيّة، وما زالت تتصدّر كل القوائم العالمية المرموقة الخاصة بأحسن مئة رواية في العالم!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش