الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

كورونا – فوضى ذهنية 4

تم نشره في الاثنين 1 حزيران / يونيو 2020. 12:00 صباحاً
ناصر الريماوي

(1)

أرتدي قفازاً واحداً في يدي اليمنى وكمامة زرقاء رخيصة، تكفي لضبط أنفاسي الطائشة، ثم أخرج.

ترافقني خفافيش بشعة تحلق في الطريق إلى بقالة الحي، لا يراها غيري، ولا يهتم لوجودها سواي. تشيعني ثم ترحل مؤقتا نحو سماء أكثر زرقة.

أرفف التبغ عامرة، تنوء بالسجائر، ألعن في سري خفافيش الظن البائسة، فكلها إثم. وأنا أرى حنقي الجائر وهو ينقلب رأسا على عقب، حد الرغبة في العناق وتقبيل «الدكنجي».. الأصيل.

بائع الخضار المجاور، كشرته مخيفة، طاردة للسعد ورحابة الأمل، وربما لفايروس «كوفيد» التاسع عشر أيضا.

يتجاهلني ليحدق في قفازي وكمامتي الزرقاء في غل وعدائية مفرطة. أتجنب محيطه الخالي والنظيف من دوافع الأمل الكوني وفايروساته، وأمضي.

الجار على مدخل البناية يلقاني بسعاله المعتاد، ثم يعطس مرحبا، وقبل أن أتفاداه أو أرد عليه التحية بأحسن منها، يبادر إلى شتم الغبار الغاشم، وجفاف التبغ المحلي.

يُطيّر ابتسامته الخفاشية المعدية نحوي، بطريقة مفاجئة، تصدها كمامتي الزرقاء باقتدار وضيق.

(2)

قلت لجاري بأنه يبالغ بالوقوف أمام بوابة المبنى، متأبطا سجائر اللف الكثيرة، وموقده المشتعل، وبأنه يفرط في سعاله العلني على الملأ.

تجاهلني لأمر ما في نفسه، وأشار للسماء في ضيق.

امرأة ملثمة تجمع الكمامات الزرقاء من قعر الحاوية المجاورة بحذر، نهرها جاري بصوته الأجش، لكنها لمْ تذعن.

في يدها قفاز ممزق وثلاثة أصابع فقط.. لم أفهم سر تلويحتها الساخرة أمام وجهينا، على أي حال.

ضبطها عامل النظافة متلبسة، تلك اللحظة، ثم التفت نحونا في غضب.

ما الذي تفعلانه هنا؟ صاح بنا.

موكب مفاجىء حفه الغبار لسيارتي شرطة، حال بين جاري وبين صراخه في وجه الحاوية.

قال لي باستياء، بأني أرى أشياء لا وجود لها لكثرة السعال.. وقسوة الحظر، ووقوفي لساعات أمام بوابة المبنى بلا طائل.

لمْ أفهم ما يعنيه.

أطفأتُ السيجارة وأعدتُ الكمامة الزرقاء إلى وجهي. ودخلت.

كان غبار الموكب يملأ حلقي.

فيما كانت الحاوية تبتعد، وجاري يسعل من خلف البناية الأخرى، وعامل النظافة يصرخ بنا عبر شاشة التلفاز:

ما الذي تفعلانه أمام الناس، وفي هذا الوقت تحديداً؟

(3)

الجرّافة ثقيلة، وقريبة، حفرها المتواصل يبدد السكينة،

ويكبد رأسي خسائر فادحة، هذا الصباح.

آخر الأحلام الصباحية مائعة ومختلطة على وقع الضجيج وقد تغرز ساقها اللعينة في رأسي.

ما أقسى الضجيج في مراحل الحلم الأخيرة من النوم.

جاري بسعاله المستفز ، يحاول دفع الضجيج المتدفق، نحو نوافذ أخرى، بعيدة عن حينا.

يصاب الجار بشرور أعماله، ويختنق قبل حدود العتبة الرخامية.. ويفقد صوته.

عيناه تجحظان الجرافة ورأسي، ببلاهة، وتحفران في الوسادة.

بائع الخضروات، سيء الحظ، عاد لتجواله العشوائي والصياح، دون إذن مني أو من جاري. اعترض الجار صياحه، بسعاله الديكي المنفّر، فاختنق البائع على الفور.

تجمّد رأسي على الوسادة عند ذلك الحد،وسقط.. فأجهض الحلم.

كان كل شيء في مراحله الأخيرة، ودون علم من أحد.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش