الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ذكريات 30

محمد داودية

الأحد 24 أيار / مايو 2020.
عدد المقالات: 872

 

 

قال أهل الفتاة لصديقي الذي طلب يد ابنتهم وهو في أقصى درجات الغبطة: نعتذر، ما في نصيب. هبط وهوى من حالق. ولما ألحّ لمعرفة سبب رفضه، قالوا له: احنا ما بنجوّز معلمين !!
جاءني صاحبي متضعضعا، ذاهلا، هاذيا. حاولت أن أواسيه دون جدوى. فلا مواساة بحجم جرحه.
غرق صاحبي جميل الروح، الحيوي، الدينامي، المشع، المتورد في صمت القبور. ودخل في السكون المطلق.
كنت مطلعا على عمق حبه وعلى الرجاء الذي كان يعقده على تلك الزيارة والخطط والأطفال والنوايا البريئة التي كانت تخفق في صدره.
وبقدر ذلك الحب جاءت الخيبة والصدمة. أحسست به يخرج وينسل من عالمه المليء بالفرح والأمل والألوان والشعر والموسيقى، أو ان عالمه الوردي الجميل كان ينسل منه.
كان يستجمع ما تبقى من قواه ويكابد ليحزم أمره ويلملم نثاره وشظاياه.
زارني ذات عصر وقال على الواقف: سأغادر.
قلت له أنا أعرفك أيها المكابر، سيظل قلبك هنا في المفرق.
قال: ربما، فليكن. سأعيش بلا قلب إذن، سأضع مكانه حجر صوان.
غادر المفرق التي قال ذات يوم انه يتمنى أن يدفن فيها على تلة قرب طريق جرش.
غادرها وهو يقول ان مجتمعنا لن يتقدم ما دام الأهل يتدخلون في حريات الأبناء ومصائرهم، وما دام الأبناء يرضخون لذلك الاستلاب.
بعد حين، تلقيت رسالة كتب فيها: ضربتني صاعقة ومسّني ضرٌّ وضيم، لقد تغير كل شيء. هوى الطود وانهار الرمز وأصبح المعلم "بدون"!
وأضاف: لقد أسهم ذلك التقييم الجائر الظالم لرسالة التعليم العظيمة، ولحاملي مشاعلها المباركة، في دفعي إلى مغادرة الكثير. مغادرة المكان. ومغادرة المهنة. ومغادرة الناس.
وختم: لقد غادرنا الخير والبركة.
ظلت تلك الحكاية حديث المعلمين ومادة لقاءاتهم. وتشكلت حركة تضامن وتعاطف في أوساطهم مع زميلهم المحبوب الذي يعرفونه معرفة يقينية.
وقد تحدث عدد منهم مع أهل الفتاة دون جدوى.
في صيف 1977 عملت في الصحافة بضراوة شديدة. بدأتُ في صحيفة الأخبار التي كان مديرها العام الشاعر عبد الرحيم عمر، الذي قال لي بعد ان لاحظ إنتاجي وانصرافي الكلي الى العمل:
-
أنت يا محمد تمتع بضمير مهني لم أعهده في أحد غيرك.
كان عبد الرحيم عمر زميل الكتاب والإعلاميين والشعراء البارزين: صلاح أبو زيد. سليمان عرار. جمعة حماد. محمود الكايد. محمود الشريف. طارق مصاروة. حيدر محمود. صلاح أبو هنود.تيسير السبول. امين أبو الشعر. محمود السمرة. إبراهيم سكجها. إبراهيم أبو ناب. حسني فريز. امين زيد الكيلاني. امين شنار. هاني صنوبر. سالم النحاس. جورج حداد. جمال أبو حمدان. خليل السواحري. إبراهيم العبسي. إبراهيم خليل ومفيد نحلة.
وقد استلم أبو جمال منصب مدير الثقافة والفنون فاحدث فروقا عديدة في المسرح والنشر والمجلات والندوات.
كان يكتب كل يوم تحت عدة أسماء: مذكرات فتاة جامعية. مذكرات مدام إكس. علاوة على كتابة مقالات مرقوبة بتوقيعه.
كنت اعمل ثماني عشرة ساعة في اليوم إلى أن أتقنت كل مراحل إنتاج الصحيفة.
كنت اكتب مقالة يومية حارة حادة بعنوان عرض حال (ما أزال اكتب تحت هذا الاسم حتى اليوم). وقد تم منعي من الكتابة وفصلي من العمل أيام احمد العتوم مدير المطبوعات والنشر وعدنان أبو عودة وزير الإعلام.
حين فصلت من عملي لم يكن في جيبتي ثمن علبة حليب لابنتي عدن، ولا أجرة المنزل التي كانت ستين دينارا !
ومعلوم أن وزير الإعلام عدنان ابوعودة كان في قلب الأحداث، لاعبا رئيسيا، ليس لأنه من أهل الثقة فحسب، بل لأنه كان من أهل الخبرة والرؤى الاستراتيجية. وقد كان مسؤول ملف الحرب النفسية في أحداث عام 1970 وظل وزيرا للإعلام والثقافة نحو احد عشر عاما هي أطول مدة أمضاها وزير إعلام في العالم.

كان إبراهيم حماتي صاحب المنزل الذي استأجره شديد الحرص، يحسبها بالفلس ويحاسبني على الفلس.
طرق باب منزلي مساء نفس اليوم الذي فصلت فيه من عملي واستأذن في الدخول قائلا:
سمعت انك فصلت من عملك.
قلت: صحيح أخ إبراهيم. اطمئن ولا تقلق على إيجار المنزل. كما ان موعد دفع الإيجار لم يحن بعد. فنحن ما نزال في منتصف الشهر.
قال: اسمع يا جار. لا تقلق من أجرة المنزل على الإطلاق. وحياة العذراء إنني لن اطلب منك الإيجار حتى لو بقيت بلا عمل مدة خمس سنوات وأكثر.
قلت: غريب ما اسمع. ومنك انت الحريص بالذات.
قال: الناس لا تفرّق بين الحرص والبخل.
قلت: بارك الله بك فهذه شهامة في وقتها.
اتصل بي عز العرب أبو العينين محاسب الصحيفة وقال لي: الفول في انتظارك. تعال نفطر معا.
ناولني المحاسب راتبي كاملا. فقلت لنفسي: ان هذا المبلغ هو أجرة نصف شهر وبدل إجازات نصف شهر.
دخلت الى مكتب فؤاد النمري صاحب الصحيفة الذي استقبلني بحماسة ملحوظة.
قال وهو ينظر إليّ بمودة: اسمع يا محمد. سيظل راتبك الشهري ساريا الى ان تعود الى العمل مهما طالت المدة. انسَ موضوع الراتب كليا.
شكرته مستغربا الذي يحدث. فالرجل هو أيضا شديد الحرص على المال ويحسبها بالفلس.
تنفست الصعداء وغمرني ارتياح لا استطيع وصفه.
قلت لنفسي: ما أجمل الحياة وما أجمل النزاهة وما أرقى شعبنا وبلدنا. يستحق هذا الأردن الزاخر بالخير وبالشرفاء ان نحبه.
كان العمل في الصحافة في تلك الحقبة العرفية المقيتة، عناء وكفاحا ومشقة، وأقسى من شغل الكسارات وصبّات الباطون ودك طوب الاسمنت وشغل المطاعم.
لكن الصحافة فتحت لي أوتوسترادا الى الرأي العام فأصبحت وجها وقلما معروفين. قدمتني الى الناس مقالتي "عرض حال" التي كرستها للشأن المحلي وكنت اعبر فيها عن قضايا مطلبية متنوعة.
كتبت في مطالب الحركة الوطنية الأردنية التي كانت تتمثل في: مكافحة الفساد ومراقبة الأسعار المنفلتة وكشف الغش في العطاءات والمواد الغذائية والدفاع فيها عن الحريات العامة والمطالبة بإجراء الانتخابات النيابية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ورفع الحظر عن الكتاب والصحافيين الممنوعين من الكتابة وخطباء المساجد الممنوعين من الخطابة والمطالبة بإعادة المفصولين على خلفيات سياسية الى وظائفهم.
ولما أصبحت "مدير الإعلام والعلاقات العامة للديوان الملكي الهاشمي" عام 1992 أتاح لي العمل في ظلال القائد العظيم الملك الحسين، فرصة خرافية ليعرفني الرأي العام الأردني أكثر. فقد كنت أرافقه في جولاته الشعبية على المحافظات وفي لقاءاته مع الأحزاب والشخصيات السياسية. وقد فتحت أبواب الديوان الملكي للكتاب والصحافيين والفنانين وشيوخ العشائر والمخيمات حتى ان احد كبار الموظفين انتقدني في غيابي أمام الملك العظيم فقال:
يا سيدنا، محمد جعل الديوان ديوان.
ولما علمت عن تلك الاستغابة الدنيئة وهذا النقد الغبي قلت لنفسي: لقد مكنني الثور الغبي من ان امسكه من قرنيه.
كمنت له فلست ممن ينام على ضيم. لقد كان صيدا سهلا. اغتنمت أول فرصة لأقول أمام الملك وبحضور البطانة كاملة: يا سيدنا انني إن نجحت في شيء فقد نجحت في جعل الديوان ديوان.
نظر الملك الى الموظف الكبير الذي اتهمني وقال: نشمي يا محمد نشمي. نعم. هذا الديوان هو ديوان كل الأردنيين وقد فرحت لما علمت انك تستقبل عشرات الصحافيين والكتاب والفنانين والمواطنين تساعدهم في الحصول على كتاب معالجة او قسط جامعة او أجرة منزل.
قلت: يا سيدنا. كما تعرف فهؤلاء هم روح الأمة وهم حراس العرش ونكهة الوطن. وهم الأكثر عطاء والأقل أخذا.
وأضفت: يا سيدنا. مجرد ان يشرب احدهم فنجان قهوة في الديوان فإنه يعود الى أصدقائه وناسه مبتهجا وهو يقول: كنت في الديوان الملكي الهاشمي. ولا يقول كنت في ديوان محمد داودية. ليس للديوان أسوار، لا عالية ولا منخفضة.
في أيلول 1993 استأذنت الملك الحسين في ترك العمل بالديوان من اجل الترشح للانتخابات النيابية. حضنني وقبلني على الطريقة الأردنية. تمنى لي التوفيق. قبلت جبهته وقلت: يا سيدنا. ليس اعز من العمل في ظلالك وفي ديوانك. وارى من واجبي العودة الى القاعدة الشعبية التي عملت معلما لأبنائها وكتبت دفاعا عنها كل العمر لأمتحن قبولي عندها.

قال لي الملك العظيم: امّا وقد حصلت على ثقة الملك فأنا متأكد انك ستحصل على ثقة الناس في الطفيلة الغالية. الطفيلة المحافظة الهاشمية. توكل على الله.
ودّعت زملائي في مكتب إعلام الديوان الملكي: علي الفزاع وأمجد العضايلة وحسين بني هاني وانتظرت الدكتور خالد الكركي رئيس الديوان الملكي في مكتبه لأودعه. دخل خالد هاشّا باشا. أطلعني على رسالة موقعة بخط يد الملك الحسين كتب فيها:
"
يصرف للأخ محمد داودية الراتب الذي كان يتقاضاه في الديوان". كانت تلك مكرمة ملكية تستمر طول العمر. لولا تخريب مسامير الصحن !!
خضت الانتخابات النيابية بأقصى درجات الهدوء والمروءة والنزاهة. كنت ادخل على بيت فيقول لي رب البيت: لقد سبقك عبد الله العكايلة ووعدته بأن انتخبه.
فأقول له مبتسما: أشكرك انك لم تخدعني ولم تغشني. ابقَ على رشدك وحافظ على وعدك وكلمة الشرف التي قطعتها، فإن عبد الله أخي وابن بلدي وهو رجل فاضل وهو أحسن مني.
يتفاجأ الرجل من ردي ومن الكلام الطيب غير المتوقع الذي قلته عن منافسي الغائب
فيقول: اسمع يا رجل. والله انك تصلح ان تكون نائبا عني في البرلمان. وان كلامك الطيب هذا هو اكبر دعاية لك ثم يباغتني قائلا:
انا وعدت عبد الله العكايلة ان انتخبه وسوف انتخبه. أما أنت يا داودية فسوف اطلب من زوجتي وبناتي وأولادي أن ينتخبوك.
لقد فزت في تلك الانتخابات بالمرتبة الأولى.
لم اشترِ صوتا واحدا. ولم أذبح خروفا واحدا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش