الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مثقفون: الورق هو الموثق الحقيقي للنتاج الإبداعي والحضاري

تم نشره في الاثنين 18 أيار / مايو 2020. 12:00 صباحاً

عمان – عمر أبو الهيجاء

في ليلة وضحاها أصبح العالم قرية صغيرة وأصبح الإنسان رهن البيت وحبيسه أو ما يسمى بالحجر المنزلي جرّاء جائحة كورونا.. وأيضا غدا العالم يفتقد إلى العديد من مناحي الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.. وغير ذلك، و بالطبع انعكس على هذا الشأن الثقافي .. والعالم الافتراضي صار متاحا لمن «هب ودب» وبات المشهد الثقافي هزيلا يفتقد لمقومات الإبداع الحقيقي.. فكثر المستشعرين وأدعياء الأدب.. وكل هذا على حساب الإبداع.

«الدستور» ناقشت مع ثلة من المبدعين الأردنيين والعرب ما سبق طرحه في المقدمة حول هذه الإشكالية فكانت هذه التعقيبات على ذلك؟

 الشاعر الدكتور محمد مقدادي:

يحيلنا الواقع المعيش إلى منطلقات العولمة ونوازعها وغاباتها وأدواتها من حيث إنها تتويج للحالة الرأسمالية/ الإمبريالية، وتجسيد لكل ما حققته من توحش وازدراء للبشرية التي تمثل تاريخا وتحتل جغرافية غير تاريخها وجغرافيتها، فهي ترى، من منطلقات عرقية مرضية، أنها هي الأسمى مرتبة والأجل مكانة بحكم تفوقها العرقي الذي أهلها لإبداع وامتلاك مخزونات معرفية متراكمة أدت إلى تطور مجتمعاتها على نحو مضطرد في شتى الحقول والميادين، وهي بالتالي الأجدر بالهيمنة عل كل الشعوب والأعراق التي- وفقا لرؤية أولئك المستكبرين - جعلها الله على هيئة البشر، تمشي على قدمين لا على أربع ولا تزحف على بطونها، لتقوم بدور الخادم المطيع والحارس المؤتمن على مصالح تلك القوى التي لابد أن تسود العالم وتأخذ زمام قيادته لتقوده صاغرا لتحقيق مصالحها الكبرى التي لا يمكن الوصول الأمن لها إلا بتنميط العالم وتسليع القيم مما يتيح لها أثمن الفرص لتمرير تصوراتها وفرض استراتيجياتها الظالمة بتجريد العالم من كل ما هو جوهري، فكانت البدايات في تدنيس المقدس والتشكيك في الثوابت وعدم الاطمئنان بترسيخ حالة اللايقين وتقبيح المنظومة الجمالية التي فطر الله عليها هذا الكون . كان لابد من إفساد كل نقاء وإجهاض كل حلم ومصادرة كل رغبة تحتفي بمشروع يسعى لأنسنة البشرية التي خرجت عن سكة إنسانيتها وذهبت بعيدا وبشكل قطيعي وإذعاني نحو إشباع غرائزها وتلببة رغباتها المتعاظمة، وملء الهوامش والمتون بكل ما هو هزيل وسطحي وفاقد لجوهره ومعناه.

كان لا بد من التدمير الممنهج للعقلية السائدة لتشكيل وعي جمعي قابل للإيمان بالخديعة ومستعد للذهاب بعيدا في الدفاع عن اباطرتها ، ولا بد من مسخ الفعل الثقافي باعتبار أن الثقافة تمثل آخر القلاع التي تتحصن خلف متاريسها أمم وشعوب ابتكرت الأبجدية الأولى لحضارات العالم ، وكتبت انصع الفصول في أوراد سفرها التاريخي وتشبثت بما هو روحي وجوهري وذو معنى أعمق مما يتخيلون... فأشرقت بمنجزاتها الإنسانية شموس الحرية، وتخصب الكون بقيم الحب والخير والاستقامة والجمال والرضا.

ليس غريبا أن نشهد في هذا العصر، تلك النماذج المبتسرة مما يسمى إبداعا على صعد الفكر والفن والشعر وكافة ضروب الإبداع، فلننظر إلى الموسيقى لنرى كيف استقالت من أثرها الوجداني، والى الغناء كيف صار ابتذالا، والى الشعر، في كثير من النماذج التي يسمونها شعرا، كيف يتساقط كالهلام، ولا تجد، ان اردت أن تجد شيئا وراء هذا القحط، غير الزبد، وخلف هذا البريق غير الوهم والسراب الذي يحسبه الظمان ماء.

نعم....أنه عصر يتم فيه بشكل ممنهج تعميم الرداءات وتسطيح المعاني الأعمق، وتغييب وملاحقة القيم الأجمل وزجها في زنازين التعسف والاستبداد، وحبس النفس الإنسانية المتهالكة، في محبس مثل سم الخياط لا يكاد يتيح لها فرصة التنفس والبقاء على قيد الفعل البيولوجي من حيث هو حضور كمي وليس وجوداً كيفيا كما ينبغي له أن يكون.

نعم...لقد تحول العالم إلى قرية كونية متناهية الصغر ، بل و ربما إلى شقة ميكرونية بلا سقوف أو جدر تشف عما وراءها، وكانت هذه أعظم فرصة اتيحت للبشرية كي تتعارف وتتثاقف وتتواصل وتتراحم ، وأن تخرج الأرض بكامل زخرفها وحنطتها وعذرية طفولتها، وان تشرق الشمس بكامل بهاءها على حقول تطفو على اديمها العصافير وتكون في فضاءاتها أسراب الفراشات، لكن الواقع كان أكثر مرارة وبؤسا مما يتصوره أكثر المتشائمين، فالبشرية تباعدت أكثر من ذي قبل، وتجذرت واستحكمت مشاعر الفردانية حد الاغتراب، وتعاظم منسوب الكراهية والبغضاء حد الغزو والاحتراب.

كان يمكن للعالم أن يتقاسم، على نحو عادل، مخرجات العلم والمعرفة والتقنيات والثروة والنفط والماء والهواء، وكان يمكن أن يكون أكثر حكمة، وأسمى ابداعا، وأعمق انسانية، وأكثر مروءة، لكن الشق الأشد قوة وبأسا، والأكثر ثراء (ثروة وتقنيات) اتكأ على مرتكزات عقدته في التميز، وثوابت عقيدته في الاستعلاء، واحتكر كل المدخلات الضرورية لبناء العالم الأكثر عدلا وتسامحا وجمالاً، فبات الناس يفترشون الأرصفة المكتظة بالسعال والصدأ، ويتوسدون شواهد القبور، ويقتات أغلبهم على مخلفات مالكي الثروة والسلاح والرساميل.

بات العالم مفتوحا على كل احتمالات الكذب والنهب والحرب والتغول والاضطهاد...فاي إبداع ننتظر ،بعد كل هذا الخراب؟

 الشاعر الإماراتي محمد البريكي :

قبل أن نلقي اللوم على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه لا بد من القول إن هذه الوسائل كانت موجودة قبل هذه الجائحة، وكان لها مالها، وعليها ما عليها، إلا أنها لم تكن مقياسًا للإبداع، بقدر ما كانت عوامل مساعدة لنشره، وللوصول إلى شريحة من الجمهور، لم يسعفها الحظ لحضور فعالية ما في مكان ما، والالتحام المباشر مع المبدع عبر الفعاليات والأنشطة التي تقيمها المؤسسات الثقافية، والحقيقة أن لكل مجال وله سلبياته وايجابياته، وحتى الفعاليات الواقعية فبعضها لا تخدم الإبداع، بسبب سوء الاختيار، لكن تبقى الفعاليات الواقعية أكثر فلترة ونقاء، لأن هناك من يختار ويبعد، وينتقي الجيد ليقدمه، على أن هناك بعض هذه الوسائل الافتراضية تسعى وبشكل جاد لاختيار أسماء مبدعة تقدمها عبر هذه الوسائل، لكني أرى أن هذا العالم الافتراضي الذي بدأ يغزو بجيشه الجرّار واقعنا، ولا نعلم متى سيتوقف جرّاء هذه الجائحة، فإنني أراه وسيلة دعم لا أكثر، ولا تغني عن الواقع، مثلما أرى أن الورق هو الموثق الحقيقي للنتاج الإبداعي والحضاري، فما ينشر عبر وسائل التواصل ومحركات البحث، يشوبه الكثير، ويغيب عن مقص الرقيب، وبذلك فإن تدفق المعلومات الهائل الذي لا يخضع للرقابة، سينتج عنه مواد قد تسيء إلى الكثير من المعارف، وتشوه الكثير من الحقائق، ولن ينقذ من يسعى إلى الحقيقة إلا

الرجوع إلى بطون الكتب، والمراجع المعتد بها من أجل الوصول إلى معلومة حقيقية، وأنا هنا لا أقف ضد هذه الوسائل، بقدر ما أرجو أن تبقى عوامل مساندة للواقع، لا واقعًا يزيح الأصل، فالأصل أن تنصب للشعر خيمته، وأن يكون ديوانًا كما كان، وأن يكون للقصة والرواية وغيرها من الفعاليات فضاءاتها الواقعية التي تقدم من خلالها نتاجها الإبداعي.

 الناقدة والروائية د. مها المبيضين:

هذه مساحات مفتوحة للجميع من كافة المستويات ومن شتى المستويات الثقافية

فلنترك كل من أراد التنفيس عن نفسه بان يكتب والقارئ هو الشريك الاستراتيجي

لعملية انتاج النص هناك نصوص عابرة ليست بذات قيمة تأخذ اهميتها من خلال اللوبيات المجاملة وتدخل في اعتبارات الخلط بين الأدبي والاجتماعي وهذا الأمر كان قبل أزمة كورونا فالتواطؤ الأدبي كان أكثر بل تم تقديم جوائز وتكريمات لعدد لايستهان به دون وجود شاعرية بل الاعتماد على العلاقات الشخصية والتزكيات والركلات الترجيحية بين الناقد والأديب وخاصة النقاد وبعض من قرضن الشعر وعبثن بالنثر تحت مسمى شاعرة وقاصة وأديبة وناقدة وهذا أمر مضحك ومحزن.

جائحة «كورونا» كشفت الضعف والوهن الثقافي والشعري أو الإبداعي لدى من كان يزعم أو يظن أنه مبدع كبير، ولكن عندما يجد أن عدد متابعيه قليل عليه أن يخجل ويتعلم صنعة أخرى غير الكتابة.

 الشاعر خالد أبو حمدية:

أن تكون في البيت، يعني أن تكون آمنا بكامل لياقتك وجوهرك الإنساني، أن تكون أبا، زوجا، أخا، وابنا، أن تكون في البيت يعني أن تكون في جنة طوع يديك، مسترسلا بكل قامتك وروحك محجورا أو غير محجور سيّان، ما دمت في بيتك تحافظ علىمن تخصه بالأجمل وترد عنه كل شائبة تؤثر فيه، كذلك بيت الشعر أن تكون فيه يعني أن تمارس إنسانك وعيك انتماءك، محبتك أو تتلمس جذوره فما الذي تغير؟! وسائل التواصل الاجتماعي نعم، لكنها لم تصنع جديدا خارج مجتمعاتنا هي فقط نبشت تراكمات الماضي وسلطت الضوء على ظواهر قد نراها جديدة لكنها موجودة ومتأصلة فيه.. هنا اتحدث عن الشعر وكافة الأشكال والأجناس الأدبية بشكل خاص حيث جعل الشعر والأدب متاحا ومكشوفا للجميع، فالمدعون موجودون قديما وحديثا كذلك المتسلقون والفارغون والمطبلون على كافة المستويات. فالظواهر والأحداث التي طرأت على أمتنا خصوصا والعالم عامة في السنوات الأخيرة جعلت من هذا العالم الافتراضي ملاذا للطرفين المدّعين والمبدعين سواء لسهولة ويسر الوصول للخبر والنشر المتاح دوما والاطلاع على ما يدور في الشؤون الحياتية من أدب وسياسة وأدب وغيره، لكن مواكبة الحدث السياسي وكذلك الأحداث العالمية الكبرى كالحروب والمجاعات والكوارث والأوبئة تظل الأبرز لدي المثقف، وأرى هنا أن الشعر يجب أن يكون بعيدا عن مواكبته أولا بأول، الشعر يجب أن يكون نبوءة ورؤيا أو مؤرخا انسانيا لحيوات وتجارب من سبقونا ومن عاصرونا، أما أن يكون ناطقا رسميا باسم الحدث وعلى أهبة الكتابة دوما، وأن كل ما نراه هو نتاج طبيعي. لعقود ماضية حورب بها المثقف والحقيقي والأديب الرائي وتركت الساحة فارغة لهؤلاء الطارئين.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش