الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

حمّام الفساد

رمزي الغزوي

الأربعاء 6 أيار / مايو 2015.
عدد المقالات: 1859


كنا نكره الحمّام وطقوسه الأسبوعية في طفولتنا، وكنا نهرب منه كهربنا من معلم واجهنا في رأس زقاق. فحين تقع بين قبضة الأم وصابونها الكثيف، لن يفيدك جعير، أو عويل، أو استغاثة، فقد جاءك الموت يا تارك الصلاة.
صحيح كانت تعجبنا رائحة جلودنا، وشاليشنا اللامع (مفرق الشعر)، وخدودنا الكرزية عقب ذلك الحمام العجيب، إلا أننا لم نكن نحب الوقوع به، ليس لأن الأمهات لا يستخدمن شامبو لا يدمي العيون، ولا لأن الماء المُسخن على الحطب وصل لحرارة تليق بمعط دجاجة. ولا لأن اللقن (الوعاء المعدني) ضيق زلق، والمفرمة خشنة كمبرد. بل نكره الحمام؛ لأنه يوم حساب عسير، لا شفعاء فيه.
فالأم كانت تؤجل وتدّخر كل عقوبة مستحقة لهذه المناسبة السعيدة، ولهذا كان وعيدها (وين بدك تروح؟!، بديش أمسكك؟!)، طبعاً مع العض على الأصبع أحياناً، مع إطلاق بعض شتائم تخص الأب!.
ولهذا فحين تقبض عليك وتجرك للحمّام، عليك أن تشهِّد، وتوصي إخوتك بآخر أحلامك، وقد يبدأ مشوارك بخلع الملابس بلين كاستدراج ذكي من الأم، ريثما تغدو (زلطاً ملطاً).
ثم تسنُّ الصابون على ليفتها بعصبية، وتبدأ بتلاوة محضر الذنوب وعمليات الفساد الذي نفذتها طيلة أسبوع: ليش وسخت قميصك بالطين؟، وليش صفّرت بالرياضيات؟، وتعربشت على دالية الجيران، وبصبصت عليهم من خرم الباب، وليش راجدت على بوابة دار جبور؟، وسطيت على خم جاجات أم سعيد.
وخلال تلاوة المحضر توقع زخات متفرقة من الصفعات الرنانة، والقرصات المباغتة اللولبية، وشد خدود، ومرس أفخاذ. وإذا كنت فاسداً كبيراً؛ فقد تتلقى كُماداً (قبضة) مدججاً بلوح صابون المفتاحين.
في هذا الوضع لا يكون أمامك سوى (الزعبرة) وطلب المغفرة، و(بوس التوبة سبع مرات)، فهذا قد يخفف عليك، ونصيحة مجرب، عليك ألا تفكر بالهرب، ليس لأنك عارياً، بل لأنك ستلف وتدور لتعود للقن مغمض العينين، فيتجدد العقاب، وقوة الكماد.
ما ينطبق على الحمام ينطبق على الفساد والواسطة والمحسوبية. ولهذا بت أتمنى لو أن الفساد في بلادنا كان وسخاً، لكنت طلبت من أمهاتنا الطيبات أن يجهزن لقناً بمساحة حوض البقعة، وليفة كجبل القلعة، وماء يغلي يليق بدجاجة (عتقية). فهذا أفضل من هبهبات محاربة الفساد والوعيد بمسحة وتجفيف منابعه.
فلو كان الفساد وسخاً لحممنا مفسدينا بدلك غاضب يعيدهم برائحة طيبة، وشاليش لامع. لكن الفساد شيء آخر يا أمي الحبيبة، لا يقوى عليه صابون، فهو لا يعلق بالجلود كفتائل الوسخ، وحبات التعب. بل يتخلق في نخاع العظام، قبل أن يتحول إلى دم يجري في عروقهم. بصراحة الفساد ليس بحاجة لحمام بل للجام.

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش