الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الزرقاء – محطات ثقافية.. الشّاعر حبيب الزيودي وعودة الروح

تم نشره في الجمعة 21 شباط / فبراير 2020. 01:00 صباحاً

ناصر الريماوي
كنتُ سأفضي»لحبيب الزيودي» بكامل حيرتي حول تأخره بالظهور، لو أنه منحني سبل الكلام.
خطرت ببالي للحظة بعض الصحف، والفضائيات المحلية وهي ترمي لنا بالأمثلة، وببرود مبرمج، حول ظهوره المرتقب، كان هذا قبيل الذكرى الأولى لرحيله.
بعد أعوام، أخذنا نتشارك مرارة الحيرة مع تلك الصحف والفضائيات وهي تتخلى عن برودها وتمعن في التساؤل:
(سبع سنوات ثقيلة مرّت على «العالوك»، وهي ترزح تحت غمامة ذلك الشهر التشريني الموجع، منذ أن باغته الرحيل.. لكن، كيف احتمل»حبيب» خلالها ما تبقى في صدره من دبيب الشّعر ووخز القصائد، وغير ذلك مما لمْ يبح به لأحد، ولمْ يَعد لنا كأسلافه الشعراء؟)

         ****
الطريق إلى بلدة «بيرين» من جهة «الزرقاء» مقفرة وخالية، إلا من عتمة الليل وصبا «التشارين» المشبع بزخم الرائحة الأثيرية للمراعي والتلال.
العتمة والرائحة تتسربان عبر شقوق النافذة إلى فضاء «السيّارة» لترفعا من وتيرة الشِّعر في الكلام.
كلما غاص «حبيب» في صمته، إلى جانبي، وحدّق في الطريق، أغمض عينيه، وعبّ من مختلط الرائحة الحرجية للشجر وفوح أدخنة الحرائق الصغيرة، جارحا بما يشبه النواح أُذن الأثير: «الله.. الله يا ريحة هَلي»، قبل أن يستفيق مجدداً، ويشرع بالحديث.
شعراء الأرض والحب، تحديداً، يغافلهم وجع الرحيل دون وداع، ولهذا فأغلبهم يعود - مثلما نعلم جميعا - بعد عام على أكثر تقدير، يعود كل واحد منهم للتخفف من حمل صدره الثقيل، بإتمام ما تبقى من قصائد، لمْ تكتمل، ولترتيب وداع ملائم، وأخير، ظلّ عالقا بينه وبين الناس.
 لظهورهم المتعفف،حين يبدأ، رونق خفي، وحزين، وولع يشعله العطاشى لبهجة الكلام.
فمنذ اللحظة الأولى لعودتهم، يشرعون بنبش الأرض وطينها بحثاًعن مفردات تائهة،وفريدة، وابتكارات مدهشة،تليق بسمعة الشِّعر، وبهم، وبالقصيدة الأخيرة.
 كل شيء مباح، في ظهورهم، وعودتهم بعد وجع الرحيل المباغت، ولكن بمحاذير كونية صارمة، ووصايا لا تتماشى وهالات الضوء في العلن، أو مجالس الأهل المعتادة، أوحتى مضافات العشيرة في السّمر.. وغيرها.
كان للشاعر مصطفى وهبي التل، «عرار»، ظهور مماثل، بعد عام واحد على رحيله، وهو ما تناقله البعض لسنوات عديدة، بعيداً عن هالة الشمس والعلن، وكان حقيقياً في حينه، بدءًا بجيران بيت العائلة في مدينة «إربد»، وانتهاءً بزملاء المدرسة الدمشقية، العتيقة، مدرسة «عنبر».
غير أنه كان ظهورا متعثراً، وهو ما أكدته الوقائع لاحقاً، فديوانه «عشيات وادي اليابس» لمْ يُنشر إلا بعد سنوات طويلة على رحيله، لتعذر وصول الناس إلى قصائد الشّاعر المنجزة، والتي يفترض به إتمامها خلال ظهوره المتمهل.
ثم صعوبة حصرها والتحقق منها، لكثرتها بذلك التنوع، عوضاً عن تشتتها الخاضع لفوضى الذات الشّاعرية، المتمرّدة في»عرار».
أما الشّاعر العربي «محمود درويش» فقد شوهد واجماً، يسيربرفقة ظلّه الغافي في دروب بلدته المهجرة، «البروة»، في فلسطين، لمرّات.
كان هذا بُعيد رحيله بسنة، يجول صامتاً محني الرأس برصانته المعهودة، وهو يجمع عبق الرحيق المهمل من بين شقوق الخرائب ووقائعه العتيقة، التي لمْ يحفل بها أحد.
لتكون قصيدته الأخيرة.. «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، والتي أتمّها خلال ظهوره، لتكون عنوانا أبديا لديوانه المنشور بعد رحيله الأول وظهوره الأخير.
وهو ما نعرفه جميعا عن الشّاعر، بلا استثناء.
حدث هذا أيضاً مع الشّاعر الفارس، «نمر بن عدوان»، وكان ظهوره الحتمي بعد عام، مبهجاً ومتحفظا في الوقت ذاته، تماماً كالبقية من أسلافه، وكان مغنماً لكل من التقاه، أو حدّثه.
وجرى الأمر ذاته مع غيرهم من شعراء الأرض الطيبة والحب.
وحده الشّاعر والروائي «تيسير السبول» من لمْ يغافله الرحيل، ليكون لديه المتسع بالتخلص من أحزانه الصحراوية، مفضياً لمن حوله بكل ما كان في صدره من قصائد، متخففاً تماما وهو يختار بنفسه موعداً محدداً لرحيله، وافتقدنا جميعا لعودته.. حين لمْ يَعُد.
       
           ****
تسلل الصوت البدوي الرخيم إلينا ببحر «الهجيني»، ونحن على شفا بلدة «بيرين».
صاح «حبيب الزيودي»: توقف..!
ترجلنا.. كان صوت الشّاعر البدوي معاتبا وتائهاً،»يجرّ» نحونا أصداءً بعيدة وموجعة، أخرجها عنوة من خوابي الليل الموصدة، ليطلقها نحونا، وهو يلهج بنبرته النائحة من خلف أوجاع»الربابة».
 كان مصدره مجهولا، في الوقت الذي امتلأت به عيوننا بأضواء المصابيح الليلية المتناثرة أسفل الوادي، وشوارع البلدة، والأضواء المتفرقة الأخرى، على قمم السفوح.
قال «حبيب» وهو يثني ذراعه الأيمن وراء كتفه، ويبسط كفّه، مصغيا للعتمة: أهذا معقول؟!
إلى متى سيظل هذا اللحن الكوني سراباً بيننا، عالقا بين أثير الأرض وفسحة السماء؟
نظر نحوي بعمق وقال: صدى «الربابة» هذا لمْ ينقطع عن هذا المكان، ولا أظنه سيخبو أبداً، منذ عقود وهو يجرّ وراءه وجعاً لا ينتهي..!
تجاهلني وفتح ذراعيه لينال شهيقه كاملا من تلك التلال، ثم راح يهتف ببحة الملتاع: تلك منازل أهلي..وهذا اللحن الكوني الخالد منزلي.. الله يا ريحة هَلي.

           ****
وواصلنا الطريق إلى «العالوك» و»المسرّة» مشياً على الأقدام، نزولا عند رغبة الشّاعر.
قال: علينا أن نتبع العزف المنفلت، فهو دليلنا، وأن نلحق به خطوة بخطوة.
ولأنه يفترض بنا التمهل قبل اجتراح الفيافي بخطو أقدامنا العاثرة، أو ونحن نهبط الأودية ومنحدراتها على وقع الصدى واشتداد العتمة.. كان لزاما أن أستعين بابتسامة الشّاعر وهو ما لمْ يكن متاحاً منذ التقينا، مصادفة، قبل قليل، فيما استعان هو بابتسامة شاردة، خطفها من خوابي الليل التي باتت مشرعة، وراحت تطلق في إثرناما احتوته من أسرار مخبّأة.. ليستدل بها في الدروب.
في الحقيقة لم نكن نتبع هدفاً محدداً وسط البريّة.. كان الغموض المشوّق وأشياء أخرى كثيرة ما يتبع خطونا ويلحق بنا.
            ****
عزف الربابة المنفلت من خوابي الليل، والذي كان يخدش هدأة الليل قبل قليل، أخذ يقترب ويتسع صداه، كلما تقدمنّا في المسير.
وهج شحيح لاح لنا على امتداد العتمة، توارى بفعل المسافة ثم عاد ليرتد بعدها بتماوج موحش على وقع الهبوب.
نار تشبّ ورائحة خبز «شراك» طازجة تنتشر، في دنوها عبق شهي، يعرفه البدوي.. ووتر «ربابة» يئن.
 صاح الشّاعر «حبيب» مهللاً: هذا بيت أسلافي..!
السراج تهزه النسائم العابرة بذبالة تتسع لتكشف عن «بيت شَعر» وحيد بخمسة أعمدة في الوسط، «مخومس»، هكذا دعاه «حبيب»، وشاعر تحرر من «جرّ» الربابة حين رآنا، ليهبّ صائحاً: سليل الورع والتقى، من آل الفقير.. «حبيب»!
في «الشق».. إلى يمين البيت، اندفع رجال كثر، نحونا، بزيّهم وعتادهم البدوي، وأعينهم اللامعة خلف «أشمغة» ولثمات محكمة، وراح كل واحد منهم يعانق الشّاعر»حبيب الزيودي»، بوجد غامر، وهمّة عالية.
عبقت رائحة الهيل والقهوة في الدلال إلى جانب روائح الخبز الطازجة، فانتشى بينهم منشداً: «الله يا ريحة هَلي».
       
               ****
وفقا لما تردد من أحاديث، عرفتُ منهم، الشّاعر»حسن الزيودي» ولقبه «زناد البلقاء»،»محمد ابن غدير الخلايلة»، «على ابراهيم الخوالدة»،»عيد أبو جابر الزيودي» و «خلف ناصر المعلا».
شيعتنا «الربابة» نحو عتمة الفيافي من جديد، بحفيف صوتها المعدني.. القاسي.
 أصوات الرجال غدت حزينة وموحشة في وداعنا أيضاً.
 وفيما هي تعلو خلفنا، كنّا نحن نبتعد.
اختلستُ النظر إلى حيث كنّا، فانطفأ السراج وأظلمت نارهم تحت دِلال القهوة، لتتوارى قامات الرجال الفارهة بدورها خلف ضباب العتمة، كأن شيئاً لم يكن.
       
            ****
تخلصتُ من حيرتي الأولى تماما، فكل شيء ممكن وله ما يبرره برفقة الشّاعر، لتحل مكانها حيرة أخرى، أقل وطأة..فكيف سأفسر غرابة ما جرى للصحف أو للقنوات الفضائية، وبما سأصف لهم هذه الليلة؟
وتساؤل آخر لمْ يفارقني وظلّ يعصف بي: لماذ تأخر الشّاعر «حبيب الزيودي» بالظهور، ليطل علينا بعد رحيله المباغت بسبع سنوات؟
وما الذي يعتمل في صدره من شِعر، أبقى عليه الغياب، وحرمنا منه، ليتمّهُ الآن؟
بدا الشّاعر أكثر فخراً وبهجة، بعد لقاء أسلافه، وهو يعمد إلى انتزاع هواجسي من لجّة الليل، ببوحه المتفائل، ونحن نهبشط منحدراً شجرياً.
 حدثني حول طموحه الحذر ورغبته في تأسيس «دارة السنديان» في قرية «العالوك» لتكون منبراً للشعر والثقافة.
استشهد على ذلك ببيت الشعر ومنجزاته، ومساهماته كصرح ظلّ قائما، حتى بعد رحيله.
أفضى بمرارة حول استهانته ببعض الوعود لمحبيه، قال: لو بمقدوري الآن لنصبتُ لهم صيواناً في «المسرّة» ودعوتهم إليه، لكن..
اعترض بوْحهُ صفير ناي جارح أفلت فجأة من أعماق بعيدة ليغمر الوادي، تبعه رنين غير منتظم لأجراس صغيرة، أفرغتها خوابي الليل المشرعة من فورة الضجيج، تلاهما تدحرج مفاجىءلأكوام الحصى تحت جثة «مرياع» ضخم، تقدم القطيع المتدافع، وهبط ببعض «شلايا» الغنم السائبة نحونا.
أوقف شكواه وقال في فرح: يا الله.. لو بمقدورنا البقاء حتى الصباح لنشهد على «تشبيك» الغنم، ونرى الحلابات وهن يجمعن الحليب من ضروعها.
برز أمامنا من عتمة الليل، سور رخامي يحيط بفناء بيت حديث وبوابة حديدية مزخرفة.
ركض «حبيب»وراح يطرق الباب، على الفور.
جاءنا الصوت مشققاً ومخطوفاً، من غفوة بعيدة: ليس هناك غيرك، من يطرق أبواب محبيه بعد منتصف الليل؟
صاح به «حبيب» منشداً، بفرح: «آه.. يا جار الرضا. كان السياج أحنّ، لمّا كان من حطب الجبال. وليس من إيطاليا. هو مثل سورك يا أبا محمود قبل الاحتلال».
           
            ****
تراءت لنا أطياف شجر البلوط والبطم على السّفح المقابل، ثم عبر فوقنا غمام كثيف.
أفصح لي «حبيب»: أما ذلك الشيخ.. «أبو محمود»، فهو على انتظاره، منذ عام 1948 وهو يحلم بالمطر، وهو ما استقيتُ منه ديوان شعري الأول.
وأما المغني.. شاعر «الربابة»، وذلك الراعي بعزفه الشجي على الناي، فقد وجّها قصائدي نحو مفاتن الأرض، فكان «طواف المغني» و «ناي الراعي».
صمتَ فجأة، وأشار لي صوب مصابيح قريبة، تنوس في الرمق الأخير، وقال: أما تلك، فهي «منازل أهلي» وهو رابع دواويني الشعرية.
وحين استقرت بعض السحب الهزيلة فوق رؤوسنا، أدركت بأننا في «العالوك»، وبأننا على وشك الوصول إلى قرية»المسرّة».. وبأن الوقت يشير إلى ديوانه الأخير»غيم على العالوك».
فآثرت الصمت والإصغاء.
           
             ****
سِرْنا على امتداد ممرّ مسيج يفضي لبيت ريفي ومصطبة، تبينتُ بعض تفاصيله على وهج مصباح صغير، أطلّ في يد رجل ضخم، يرتدي جلباباً من صعيد مصر، ويندفع نحونا.
قال لي: هذا «عبد الودود».. صديقي.
صاح الرجل مرحّبا بالشاعر»حبيب»، قبل أن يضع المصباح جانباً ويلتحم معه في عناق طويل، ويبكي.
بادره «عبدالودود» بنبرة حزينة ولهجة مصرية أصيلة: أعذرني أيها «الحبيب».. للسنة السابعة على التوالي وأنا أخذلك، تماماً مثلما يخذلني الحظ في كل مرّة، ولا أعثر على ثوب أبيك ودِلال قهوته الباقية في المضافة العتيقة.
كان هذا كافيا، بالنسبة لي، فهو يجيب عن سؤالي.
 الشّاعر لم يتأخر في المجيء، فهو يرجع في كل عام، ولكنه يأتي لشأن آخر، مغاير تماما لما اعتدنا عليه في عودة الشعراء، بعد رحيلهم المفاجىء.
نظر الشّاعر»حبيب الزيودي» إلينا في أسى وقال: لا أريد من ثوب أبي سوى عبق الرائحة، ومن دِلال قهوته غبار الهيل.
ثم حشرج عالياً في وجه الليل: «الله.. الله يا ريحة هَلي».

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش