الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

مقامـــــــة اللَّوَّابَـــــــة

تم نشره في الجمعة 21 شباط / فبراير 2020. 01:00 صباحاً

نايف النوايسة
سرّني ظهورُ ممرور بن مسرور بعد غياب، وظننتُ أنه صار تحت التراب.. نعم، جاء مُفعماً بالابتسام، وبوجه مشرق بسّام، وكأنه البدر ليلة التمام.. جاء بلسان طَلِق كأنه لسانُ أفعى، لا يكفّ ولا يتوقفُ ولا يخشى.
   دنا مني واقترب، وانزاحت من أمامي السُّحُب، وكشف ما استكنّ في صدرِه واحتجب.. وأدركتُ حينئذٍ أن الرجل دائبُ البحث عن صديقه الحميم، ورفيقِ دربه القديم، عاشقِ الدروب والزنقات والآفاق، سيدِ المشي والغرائب النصّات بن لقلاق، الذي اختفى منذ زمن ولم يُرَ، حتى ظننا أنه أسيرُ الجن أو صار طُعْمةً كريمة لدود الثرى.
  بظهور ممرور بن مسرور أبانتْ لنا شمسُ الحقيقة، فيضاً من الأسرار العميقة، والخفايا اللائذة البعيدة، وعن دواهٍ نكراء شديدة،
   يقول ممرور بن مسرور بلسان مبين: أخذتني عنكم الأيام والسنين، حين بدأت أتحرّى معنى(اللَّوَّابة)، فتِهْتُ في أكوام المعاني، ومعاني المعاني، أهي بنت الدهاليز الكذّابة؟ أم ألطّرّاقة النهّابة؟ أم الخَدَّاعة النَصَّابة العيّابة؟ وتعبتُ من البحث واعتراني انكسار وكآبة، وبدوتُ هزيلاً واهناً قليل المهابة.. فقلت ذات ليلة في نفسي: كل ذلك من أجل اللّوّابة؟ لا والله لن أضع نفسي في الهّلَكة، سأتقصى أخبار صديقي البرّكة، النصّات بن لقلاق فهو لا يحتار في جواب ولا يرد سائلاً ولا ينغلق له باب..
   وطفقت أبحث عنه في ما بان لي من زوايا وما غاب عني من جهات، وقطعت الأمل من لقْياه، بعد أن أعْيَتْني الحيل من رؤياه، إذ أنني لم أتركْ سهلاً إلاّ سلكتُهُ، ولا وادياً إلاّ وطأْتُه، ولا جبلاً اعتليتُه، وأعرف أن النصّات مُوَطَّأُ الأكتاف، ومن يصله لا يخشى شيئاً ولا يخاف.
   وقلتُ في نفسي أكثر من مرة: أَطُويتْ صفحةُ هذا المخلوق وأصبح من الغابرين؟ وغدا نسياً منسياً بين العالمين؟ فلا ذكرٌ ولا خبرٌ، فالأرض صامتة ولم تُخرجْ أثقالها، والسماء سقف منيع شديد مِحالها.. واحتسبته عند الله، إلى أن حانت مني التفاتة إلى هاتيك الزاوية القصيّة، فقرّبت النظر وبعّدْتُه، وأنا في شك من لقياه مريب، وقلت في نفسي: أهو هو أم شبهٌ له قريب؟ وتجلّتْ ليَ منه صفاتُهُ، وتيقنت بأنه هو ذاته، وهالني بأنني كنتُ له ملاصقاً،  وفركت عيني ّفلم أكن أحلمُ أو اعتراني وسواس أو تخبّطني شيطان.. ولولا انكشاف أمري لعانقتُ النصّات مسرورا، لكنني استجمعتُ وجعي وألمي وغايتي لأظلَّ ممرورا..
 دنوت منه وتدانيت حتى صرت كظله تدانى والتبس، وكنت أخشى الانكشاف من رجع النَفَس،  وحين أيقنتُ أنه النصّات بشحمه ولحمه وعظمه، وهذه أسماله تطلبه وإن تخلّى عنها وانتحى، وتلك عربته مركونة بجانبه كعصا موسى..
   وماذا بعد يا ممرور؟ وأنت منه قاب نَفَسَين أو أدنى، وحرصتَ ألاّ يحسّ بك فكتمتَ الأنفاسَ وأسكتَ الحواسَ، فتطاول عنقَكَ لترى من أمره ما توارى، وتقف على ما فاتك من شأنه زمناً وغارَ..
   عاينته فرأيته يدقق النظر في حافة الأفق ويكتب، فرحلتُ مع عينيه إلى حيث يُرسلهما ودققت ثم دققت فرأيت العجب!
   امرأة جميلة كأنها البدر وآنق، رَسَمَها النصّات فأحسن رسمها، وكتب الكثير على حواشيها، ولا يبالي بما أنفق، ولسان حاله:
ذريني وإتلافي لمالي فإنني...  أحَبُ من الأخلاق ما هو أجملُ
وأتمّ رسمته، وأرسل إلى أطراف الأفق بَسْمتَه، وأسند ظهره وتنفس عميقاً، وكان طَرِباً تارة، وتارات مهموماً مغموماً ممتلئاً ضيقاً..
فردّدتُ بصوت خافت شجي، لعله يسمع ويعي:
لا تجزعنّ إذا نابتك نائبةٌ... واصبرْ ففي الصبر بعد الضيق متسعُ
   يقول ممرور بن مسرور: في هذه المرة عجِبْتُ من عربته العتيدة، وقد ملأها أوراقاً وأحباراً وتلاوين فريدة، وكتب عليها من الخلف: ( حب الوطن ليس ادعاء، هو بذل وتضحية وانتماء).. وبين يديه ورقة جميلة كتب في رأسها: اللَّوَّابة، وكتب سطوراً عديدة وأجاد في الكتابة.. ومما كتب ونمّق ونقش وزخرف وزوّق:
    أن هذه المخلوقة اعتلتْ منا مكاناً علياً، لا شجر الدر مثلها ولا بلقيس، وتقفز من رصيف إلى رصيف، ومن شاطئ إلى شاطئ ومن سماء إلى سماء، وتقتحم هذه الدكان وتلك، وكل بنك في حارتنا هو لها مُلْك، وأقحمتْ نفسها في التعليم، فهي القَيّمة فوق كلِّ عليم، ودسّتْ يديها في جيوب الناس، فقالت لهم: هيت لي.. وانتهرتهم بعنف قائلة: لا مِساس.. بالمجمل، هي جرادة من رِجل جراد أكلت الأخضر واليابسَا، وتركت كل شيء في حارتنا طللاً دارسا. وحالنا كحال الحكيم الذي قال:
لي زرعٌ أتى عليه الجراد..... عادني مذ رُزِئْتُه العُواد
كنت أرجو حصاده فأتاه... قبل أن يبلغ الحصاد حصاد
   تطوف العالم على جناح لا يهدأ، ومن دونها رجل مطواع، وكأنه بين يديها من سقط المتاع.
   أمسك النصّات عن الكتابة دهراً، وكأن على رأسه طيراً، منتظراً من الإلهام فُيوضاً وخبراً، فكتب بعد تلبّث وانتظار: هذه المخلوقة تضحك علينا ونصدقها، وفي سرها وعلنها تزدرينا وتلعننا ونصفق لها، هي اللّوّابة وليس كمثلها شيء، وهي العيَّابة وليس كمثلها حي، وهي النّهّابة ولا يُوقفها أحد، وهي النّصَّابة ولا يمنعها حدٌّ ولا سدّ، وما أجمل ما قال الحكيم بحقها:
حلفت لنا أن لا تخون عهودها ... فكأنها حلفت لنا أن لا تفي
   يقول ممرور بن مسرور: مجمل الأمر أن النصّات بن لقلاق حين كان راحلاً إليها بكلّيّته، لم يُحط علماً بأن اللّوّابة ودبابيرها تُحيط به وتعلم ما طويته، وحين أحسّ بأن الدبابير سلكت إليه سبلاً وأحدقت به كما طوّق الساقَ الخلخال، فقال مُعلناً: يا روح ما بعدك روح.. فأطلق ساقيه للريح، وكان في الهريبة كالغزال، يجرجر معه عربته العتيدة، وكان يُمزّق أوراقه ورسوماته فتطايرت إلى بقاع بعيدة،  واجتهدت الدبابير في طلبه وجمع ما تناثر من أدلة، واندس النصات في دهاليز حارته، وهنا بدت منه فنونٌ من مهارته.
  كَمَنَ المسكين زمناً في داره المهجورة العفاء، لا تتزاور عنه شمس ولا تكشفه سماء.. ومضى على النصات زمنٌ قد طال، فلا يُسمع عنه شيءٌ ولا يخطر اسمُه على بال، فلا يذكرونه إلاّ إذا ذُكر أهل الكهف، ولا يُعلم أهو تحت الثرى فيحتسبونه أم أنه خُطف فيتحسسون أخباره ويقصونه. وذات لحظة بانتْ من عربته وُريقة كتب عليها بخطه من قول الحكيم:
أَزَفَّ الرَحيلُ وَحانَ أَن نَتَفَرَّقا/ فَإِلى اللِقا يا صاحِبَيَّ إِلى اللِقا/ إِن تَبكِيا فَلَقَد بَكَيتُ مِنَ الأَسى/ حَتّى لَكِدتُ بِأَدمُعي أَن أَغرَقا/ وَتَسَعَّرَت عِندَ الوَداعِ أَضالِعي/ ناراً خَشيتُ بِحَرّها أَن أَحرَقا.
ويختم بكلمات تقطر ألماً: وَطَنٌ أَرَدناهُ عَلى حُبِّ العُلى/ فَأَبى سِوى أَن يَستَكينَ إِلى الشَقا/ كَالعَبدِ يَخشى بَعدَ ما أَفنى الصِبى/ يَلهو بِهِ ساداتُهُ أَن يُعتَقا.
يقول ممرور بن مسرور: وكَرّتْ السنين والدهور، على غيبة النصات بن لقلاق، فغابت صورته ولم يُرَ اسمه في أوراق، فلا حسٌ ولا خبر، وكان نسياً منسيّاً. ولا يأتي ذكره على لسان إلاّ حين يعبث بعربته الصبيان.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش