الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

المسلمون الإيغور والبحث عن الحرية

تم نشره في الجمعة 17 كانون الثاني / يناير 2020. 01:00 صباحاً


د. عامر الحافي
أثارت التغريدة التي أطلقها لاعبُ كرة القدم التركيُّ الأصل «مسعود أوزيل»، والتي يتضامن فيها مع الإيغور المسلمين، مَوجةً واسعة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، والرفض للانتهاكات التي تقوم بها السلطات الصينية بحقِّ الإيغور الأتراك المسلمين.
يتوزع المسلمون في الصين على عشْر أقلِّيّات قومية، ويبلغ عددهم وَفْق الإحصائيات الرسمية 24 مليون نسمة، في حين تَذهب بعض الدراسات إلى القول بأن عدد المسلمين في الصين يقارب 130 مليونًا، وذلك من إجماليّ عدد السكان البالغ عددهم 1.35 مليارًا. ومِن أبرز القوميات المسلمة في الصين، قَومِيَّتا الهوي والإيغور. وتُعدُّ قومية «الهوي» أكثر القوميّات تعدادًا وانتشارًا، وهم على علاقة حسنة بقومية «الهان» التي تمثِّل حوالي 91% من السكان. ويتكلَّم «الهوي» اللغة الصينية، ويُسمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية دون قمع ولا مضايقات.
يَرجع الإيغور في أصولهم إلى شعوب تركية، ويتمركزون في منطقة تركستان الشرقية، وهم يَدينون بالإسلام، ويُقدَّر عددهم حسب إحصاء سنة 2003 بنحو 8.5 ملايين نسمة، يعيش معظمهم في إقليم « شنغيانغ «. وتَبلغ مساحة تركستان الشرقية ما يزيد عن 1.6 مليون كيلومتر مربع، وهي تحوي ثروات طبيعية كبيرة جدًّا. ومع ذلك بقي المستوى الاقتصادي للإيغور ضعيفًا بسبب سياسة التمييز ضدهم، وهذا الذي ضاعَف من حجم الشعور بالظلم والاستبداد.
في محاولة من الحكومة الصينية للقضاء على أيِّ توجُّهات انفصالية، أجبرَت الحكومةُ الإيغورَ على ترك لغتهم الإيغورية، وفرضَت عليهم تَعلُّم اللغة الصينية. وأيضًا منعَتهم من إقامة شعائرهم الدينية، ووضعت الآلاف منهم في معسكرات مغلَقة بدعوى إعادة التأهيل! ومع نفي الحكومة الصينية ارتكابَها مثل هذه الممارسات القمعية، فإنَّ منظمة «هيومن رايتس ووتش» نشرت في تقرير عام 2005: «أن الحكومة الصينية تقُود حملة شاملة من القمع الديني ضد المسلمين الإيغور، تحت ذريعة محاربة النَّزْعة الانفصالية والإرهاب». أيضًا استُغِلَّ قيام مسلَّحين من الإيغور بقتل 31 شخصًا طعْنًا في محطة للقطارات عام 2014.
في المنظور الديني السائد، يَحرص الكثيرون على اعتبار ما يَحدث للإيغور جزءًا من حرب كونية على الإسلام. والمشكلة الأساسية في هذا الخطاب، تَكمن في عجزه عن استيعاب الأسباب الموضوعية للمشكلات. فاضطهاد الأقليات ليس محصورًا في أتْباع ديانة بعينها. وهنا، نستحضر ما قامت به السلطات الصينية من اضطهاد للبوذيين في «التُّبَّت»، وقمْعٍ للمحتجِّين المطالِبين بالديمقراطية في هونج كونج وفي ميدان تيانانمن عام 1989، حيث قُتل قرابة 10 آلاف شخص. ثم إن بعض أشكال الاضطهاد نحو الأقليات وقمع حقوقهم، كانت تَحدث على أيدي أناس من أتْباع الدين نفسه، وهذا يؤكد أن جوهر المشكلة ليس دينيًّا، بقدر ما هو سياسيٌّ أو اقتصادي.
أيضًا لا بد أن نستحضر دور الاستعمار في تصعيد الاختلافات الداخلية بين أبناء الوطن الواحد، والسعي إلى تقسيم البلاد، وأن نستحضر ما حدث مع الهندوس والمسلمين في الهند، حيث عمل الاستعمار البريطاني على تقسيم الهند، من خلال إثارة النِّزاعات الدينية بين أبناء البلد الواحد. والحال أنه لو لم تنفصل الباكستان وبنغلادش، لكانت الهند اليوم أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، ولَمَثَّل المسلمون فيها أكثر من 50% من سكانها!
يذهب صمويل هنتنجتون إلى أن الصراع المستقبلي سيكون بين ثلاث حضارات، وهي: الحضارة الإسلامية، والحضارة الصينية، والحضارة الغربية. ولا شك أن العالم الإسلامي الغارق في الانقسامات والنزاعات الداخلية، لا يمثِّل خطرًا إلّا على نفسه. وفي بعض الأحيان، يمثِّل المسلمون وَقُودًا لصراعات بعيدة تمامًا عن سياقاتهم الدينية والعِرقية.
مع تأكيد سوء تعامل الحكومة الصينية مع الإيغور، أتى التصعيد في ظلال تنامي الحرب. وقد جاء التصعيد الأخير في مشكلة الإيغور، في ظلال تنامي الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. وبحسب ما تؤكده الدراسات الاقتصادية التي أجراها البنك «إتش إس بي سي» العالمي، فإن الصين ستتفوق على الولايات المتحدة، لتصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2030، بإجمالي ناتج محلِّيّ سيبلغ 26 تريليون دولار. وهذا يعني أن إشغال الصين بصراعات داخلية لإضعافها واستنزاف طاقاتها على حساب بعض القضايا، قد يَضرُّ بمصالح المجتمع الصيني.
إنَّ جهل أسباب المشكلة أو توجيهها باتجاه إنتاج صراعات عَقَدِيَّة جديدة، لا يقلُّ سوءًا عن إنكارها، أو الوقوع في فخِّ الدفاع عن الانتهاكات التي تقترفها السلطات الصينية. فالمطلوب اليوم من المسلمين تجاه الإيغور، إدراك المشهد بكافة أبعاده، والابتعاد عن عُقدة المظلومية والانفعالية العاطفية.
*تعددية

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش