الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

«وطنٌ يتهجى المطر» للعلاق بين رهافة الصوت وظرافة المعنى

تم نشره في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 09:22 مـساءً
د. إبراهيم خليل *

مما يلفت النظر في ديوان علي جعفر العلاق الأخير الموسوم بعنوان وطن يتهجَّى المطر (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2015) توافر الإِشارات التي تؤكد سعيه الموصول، وجهده الدائب، للخروج بلغة القصيدة من رتابة النثر التي تغلب على شعراء هذه الأيام إلى فاعلية الأداء المنظوم الحافل بالمجازات الحيوية المبتكرة، والإيقاعات السلسة، التي تؤكد من جديد أن لغة الشعر- في نهاية المطاف- لا يمكن إلا أن تكون شكلا من أشكال الموسيقى، ونمطا من أنماط الغناء، لحمته الأصوات وجروس القوافي والألفاظ، وسداه المجازات والرموز والأساطير التي تمنح القصيدة قدرتها على التحليق بجناحين اثنين، لا بجناح واحد.

ففي (أمومة) تستوقفنا قصيدة قصيرة تدهشنا فيها كلمة « أمومة « بما تؤول إليه من دلالات الانتظار الطويل الممضّ الذي لا نتيجة له سوى الخيبة. ولكن هذه الخيبة تتعمَّق صورتها وتكبُرُ من خلل المجازات التي تتقاطع في القصيدة على الرغم من قصرها، فالنهر، والمطر، والامتلاء المُنْتظَر، يتمخّض جُلّهُ عن حلم « عريان « حلمٍ لا دفء فيه، ولا يقين، فالمتكلم في القصيدة يتساءل بلسان الطفل المنتظر، وسط الانكسارات، فيأتيه الجواب:
الطفلُ أينَ الطفلُ
كم مرةً
غامتْ سماواتٌ وَما أمْطرتْ
إلا انكساراتٍ
وكمْ مرةً
حطَّتْ على ترابهِ الغرْبانْ
فصورة الأم المُنتظِرَة، والطفل الذي « يأتي ولا يأتي « والسماوات التي تتلبَّد فيها الغيوم جهْمة، داكنة، من غير أمطار، ولا رذاذ، سوى دفق الهزائم، والانكسارات، هذه الصور، ذات الأجزاء المتوالية، المتفاعلة، تتكثف جميعاً، وتلتحم في الاستعارة الأخيرة:» حطَّت على ترابها الغربان «. وإذا ما استدعت هذه الاستعارة في الذهن كلمتيْ:» ملآن، وعريان « اكتشف القارئ أن العلاق لا يكتفي من الشعر بالمجاز المكثف، المجاز المبتكر، وإنما يراعي النظم، على أساس أن التجانسَ الصوتيَّ في القوافي : « ملآن.. وعُريان.. وغربان .. « يذهلُ المتلقي بما فيها من « تناغيم « عن مخاتلة المعنى، ويضعه، وجهًا لوجه، أما الجانب الآخر للغة الشعرية، وهو الموسيقى. ففي قصيدة « الزائر الغريب « وهي قصيرة أيضًا، نجد النصَّ ينْمو من الداخل نموًا يحافظ بهذا السياق على الجمع بين الانزياح الأسْلوبي- أو الانحراف عن المعيار- وانسياب الجرْس الموسيقي:
تحينُ منه لفتةٌ
ليلٌ طريٌ
منزلٌ ناحلٌ
ورايةٌ مثلُ ظلام مُضاء
تفوحُ منه نكْهَة الأنبياءْ
فالقارئ، بلا ريْب، تستحوذُ على ذائقته هذه الكثافة في المجازات: ليلٌ طريٌ، منزلٌ ناحلٌ، ظلامٌ مُضاء، نكهة الأنبياء، بعد عبارته المثيرة « يرنُّ في نُعاسنا الجرَسْ « ومثلُ هذه التراكيب المدهشة مما يقف عليه القارئ وقفة متأنية في قصيدة قصيرة أخرى بعنوان (الباص)
لا طيورَ تمشِّط أضلاعها بنوافذه
ليس إلا الظلامُ يسيلُ
على الأرْض ِ
إلا المُحرّكُ كانَ يئنُّ وحيدًا
أنينَ الذئاب.
فهوَ – أي القارئ- يجدُ نفسه أمام صورة مركبة تركيبًا أساسُه التوليف من عناصر متباعِدَة: الطيور، ونوافذ الباص، والظلام الذي يسيل، والأرض، والمحرّك، والذئاب. فقد جمع العلاق هذه العناصر في صورة تنبض بالحركة، وتمور مورًا بالحياة، وتحفل أيضًا بالانزياحاتِ الأسلوبيَّة التي تنم على حدس لغوي يقلُّ نظيره، فالتمْشيط - ها هنا - للأضلاع، والظلامُ يسيل، والمحرك يئنُّ، والأنينُ كأنين الذئاب – ذئاب الشنفرى- ففي كل مفردةٍ من هذه المفردات صورةٌ مختصرة تتبأرُ فيها، وتلتقي، إشعاعاتٌ تؤمُّها من جهاتٍ عدَّة: السماء، والأرض، والحياة، والجماد، والكائن، والحيوان.. وهذا الأسلوبُ القائم على المزاوجة بين رهافة الصوت، وظرافة المعنى، يلقي بظلاله على القصيدة بأداءٍ قد يشبه السردَ دون الإخلال بالطابع الغنائي اللافت في النصِّ الموسوم بـ « قشْعريرَة « ففيها يروي المتكلمُ ما يُفصح عن شعوره بالجَلَدِ لفقدان أحد الأشْخاص. وكأنما لم تُتحْ له الفرصة لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، أي: الوداع الذي يوصف عادة بالوداع الأخير. ذلك لأن هذا المتكلم نفْسَهُ يعاني من تداعي الجسد، والروح، فأيُّ الراحليْن هو الأحرْى بالجزع والحزن؟
كنتُ شيخا
أحدبَ الظَهْر
ينحني
عند قبر
عضني البردُ فجأةً
واقشعرَّتْ رئة الأرض
هلْ غدا كلُّ شيء
من يتامى
ومنْ بكاء
من النظرة الأولى توحي القصيدةُ بالقشعريرة التي تحيطُ بالأرض، بالكون، وتحيط بالمتكلّم أيضًا، مثلما تحيط بكل شئ، كلّ شيء يتحول إلى يتامى، إلى عيون تبكي، ودموع تتدفق مِدْرارًا، صورة تتكئ في عمْقها على هذا التصور للمعاناة – معاناة الإنسان تجاه ثنائية الوجود، والعدم- ولكنَّ القصيدة أيضًا- على قِصَرها- لا تتوقفُ عند حدود هذا التصوُّر للعالم، فمع أن المتكلم نفى في المطلع أن يكون حزينًا، إلا أننا نكْتشِفُ المفارقة (النقيضة) عندما نبلغُ الذرْوة التي تقول في النصّ:
نسيتْ دفئها يدي
أمْ حصىً
كانتِ السَماء؟
فهذا التساؤل يُغني عن القول الصريح بوحدة الوجود، تلك التي تنْصَهرُ فيها الأشياء – بمن فيها المتكلم نفسُه- في صورة خطوطها وظلالها اليُتم، والدموع، والحصى، والبردُ القارس، الذي يعضُّ الكائن، وينشر القشعريرة في الأرض، وفي السماء أيضًا. وتلاحق العلاق تلك الصور التي يرسُمها بالكلمات، مؤكدًا رهافة إحساسه بالأشياء، واشتقاق المعنى من تلك الرهافة المنْحوتة في رخام اللغة:
مثلَّمًا
ودونما غمْدٍ
على الجدار
هل أثخنته
كثرة القتال
أمْ تدافع الغبار
فالسيفُ الذي يرمز للماضي، بأمجاده، تحوَّل إلى صورة، إلى أيقونة، مُعلقة على جدار، يعلوها الغُبار، وينتشر في حده- أيْ: السيف- صدأ السنين، كجسد أثخنه القتال. على أن التساؤل الساخر الذي ينهي به العلاق القصيدة « سيفُ الجدّ « ينفي عن هذا السيف الرمْز كثرةَ القتال، بُعَيْدَ أنْ أصبح مثل اللُّقى التي توضعُ على رفٍّ في المتحَف. فبعبارة قصيرة، موجزة، مكثفة، تلمّحُ، ولا تصرّحُ « أم تدافعُ الغبار « يضفى الشاعر على القصيدة مدلولا مفارقًا، ساخرًا، مما كان يتوقعه القارئ، أو يظن أنه يتوقعه. وفي أخرى بعنوان « ذكرى « نجد القصيدة القصيرة تستوعبُ الكثير من المجازات المتلاحقة بنضَارةٍ تشفُّ عن أَلَقِ الشعر الحقيقيّ، غير المُتكلَّف، ولا المفتعل، ولا المصنوع، في صورةٍ مركبَةٍ تركيبًا لافتاً للنَظَر:
أترى تذكرُ ما أذكرُ
إذْ داهمنا الليلُ
على هيئة شيخٍ
ساحبًا منْ خلفهِ
البرْدَ
وأعْجازَ الشجرْ
ثم أقعى
خارج النوم
ينادي
منْ تُرى يقوى على الوِحْشِة
أوْ طول السفرْ؟
فداهمنا الليلُ، والليلُ شيخ، « ساحبًا « من خلفه البرد، أقعى، خارج النوم، الليلُ يُنادي، انزياحاتٌ عن الاستعمال المألوف لهذه الكلمات، في تركيب يشهد بجماليات الصُوَر لدى العلاق، وفي الوقت ذاته لا يفتأ يراعي النسيج الموسيقي للقصيدة، متكئًا على تفعيلة « الرَمَل « المخْبونةِ، والعبارات المجزَّأة، والاسترسال الذي أفاد فيه من التدوير، مع الانتفاع بجرْس القافية المرْنّان (الشجرْ، والسفرْ) ومن هذا كله يخلص الدارسُ إلى القول: إن العلاق، في هذا الديوان « وطنٌ يتهجَّى المطر « لا يكتفي بمواصلة منجزعه الإبداعي في دواوينه الكثيرة التي سبقت هذا الديوان، منذ العام 1973 ولكنه يتجاوزُ به ذلك العَطاء الغني، الثرّ، لعطاء جديدٍ مُتفوِّق، يبْهرُ الحصيف من النَقَدَةِ بما فيه من ألَقٍ، ورَوْنق، على المستويَيْن؛ الأسْلوبيّ، والدلاليّ.

*ناقد وأكاديمي من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش