الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الافتراضيّة في الأنا والآخر في السرد الروائي في رواية (أنثى افتراضية)

تم نشره في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 09:00 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 20 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 09:26 مـساءً
* د.هناء البواب

إنّ النقد العربي يواجه مطلبا ملحا مفاده البحث عن منهج قادر على استنطاق النصوص وتفكيكها وفق خطوات إجرائية تتوخى بيان الأنساق التي تحتكم إليها. ويبين أن المنهج الذي يظل الأجدر في وعي الشفرات النصية هو المنهج الذي يصهر الذاتي بالموضوعي توخيا لوضع النص على خارطة التحليل النقدي وإظهاراً لتماسك هذين المنهجين في تحليل الإنتاج النصي.
فقد شهدت فنون النثر القصصي في الأدب العربي الحديث تطوراً كبيراً، وتبوأت مكانة عالية بين الأجناس الأدبية، غير أن هذه الفنون ما تزال موضع إشكاليات ومشكلات منذ نهوضها المعتبر في مطلع القرن العشرين، وتتصل هذه الإشكاليات والمشكلات بالمؤثرات الغربية والمكونات التراثية على وجه الخصوص، فظهرت آراء تفيد أن القصة العربية الحديثة، ومثلها الرواية لاحقاً، تقليد غربي، أي أنها نضجت وأصبحت قصة فنية أو رواية فنية بتأثير الغرب، ولا ينفي ذلك تطور النثر القصصي إلى أشكال سردية مثل القصة والقصة القصيرة والرواية..الخ

وحكاية الأنا والآخر افتراضية عبثية منظمة محكمة بين متناقضات متغايرة في رواية ( أنثى افتراضية) للروائي فادي المواج الخضير التي صدرت عن دار فضاءات للنشر والتوزيع،يرى الكاتب أن الآخَر هو تلك الكينونة المغايرة عموما لكينونة الأنا ؛ وهو أي شخص له وجود مستقلّ عن وجود الأنا، ويظهر ذلك جليا بين رجل تائه حائر في ملامح أنثى يفترضها قلبه ليجدها عقله في كل ( أخرى) تمر بكلماته وحروفه، وبوابته الزرقاء عبر شاشة بصرية مرآوية تعكسها مرايا روحه. فهو يرى أنه لا وجود لآخر دون وجود الأنا فلا بد من توفر شرط الاختلاف والتمايز بينه وبين ذاك المواجه له حتى يمكن التفريق بينهما فكلاهما يحدد غيره ويحيل إليه، فبمجرد قول عبارة صورة الآخر يتبادر مباشرة إلى عبارات فادي مفهوم الذات أو الأنا.
وهو يحيلنا دوما إلى تلك العدمية في انتهاء فرضية الأنثى الموجودة نسقا ووجودا عدميا من كون يختلط بعضه ببعض.
غالبا ما يكون المقصود بالآخر في صورته ، والصورة بناء في المخيال، فيها تمثّلٌ واختراع، ولأن الأنثى في روايته كذلك، فهي تحيل إلى واقع في ذهن الكاتب أكثر مما تحيل إلى واقع الآخر.
إن مفهوم الأنثى في روايته يرتبط بالقوة، فهي آلية من آليات الهيمنة والإخضاع والضبط ،لهذا يلجأ الكاتب فادي لتمثيل الآخر وثقافته بغية السيطرة عليه من وجهة نظر القوة والغلبة.
يوجّه الراوي حديثه إلى امرأة غالبا لا تظهر إلا من خلال عبارات يستطيع أن يتوارى خلفها بما أنها لا وجود فيزيقيًا لها داخل فضاء القصة، بل هي مجرد ضمير مخاطب.ويقابله ضمير المتكلم ( الأنا)، مع هروبه المستمر للغائب الأصعب في الحديث عنه.
وفي ضمير الغياب لذلك الحالم بحثا عن افتراضيته ليثبتها تحضر في خيالاته ومن خلف شاشته تلك الأنثى لتحيطه وهو كعصفوررقبته مقيّدة في الجبس ولا يستطيع الحركة، ليتحول صوتها إلى زئير لبؤة تتخلق معه صورة عصافيرمذبوحة.
فاتساع الرقعة النصّية التي قامت على تمثيل الآخر الرمزفي روايته، بحيث تمثّلت مغايرة الآخر الرمزي للأنا في قدرة الراوي على خلق موازيات أو معادلات موضوعية للآخر الاجتماعي أو الثقافي أو الديني، وإسقاط رغبات الأول ونزواته وحنقه على الثاني، كأننا بصدد راوٍ يلجأ إلى مبدأ التورية، فيلمّح ولا يصرّح، يُكني ولا يفصح.
من هنا، لجأ إلى تقنيات أو استراتيجيات الحلم والذاكرة والمرآة لسرد ثيمات القهر والموت الذي يعانيها كشخصية البطل في الرواية.
فيبن ميسون وسناء وغادة وغيرهن من الأسماء الافتراضية التائهة في أركان الرواية نجده يحيلنا سرديا إلى زاوية متناقضة عن الأنا والآخر فليس للسارد حضورٌ في النصِّ؛ فهو يتحدَّث بضميرِ الغائب، هذا الغيابُ يجعل الرؤيةَ من الأعلى هي المهيمنةَ على النص، فمن مظاهر هاتِه الهيمنةِ التصرُّفُ في تقديم الأحداث، والاطِّلاع الشامل عليها فلا يوجد توازٍ بين خطي الحدث المرتفع نمطا وشكلا في أبعاد الرواية.
البداية هي «أنا»؛ لتلفَّ هذه «الأنا» حبالَ الرؤية والرؤى حول أعناق الكلمات، لا لتشنق معانيها؛ بل لترفعها إلى علياء الرمزيَّة والرسائل المشفَّرة المسكوبة في دلالات عديدة تتعدَّد وتتشظَّى كما تتشظى تلك الذَّات في روح الكاتب الروائي الذي حاول أن يمزجنا بذكرياته ويذيبنا بين أضلاع أنثاه التي بحث عنها تائها لكنه يفرض أناه الذكورية رغما عنه بشرقيته المختبئة بين حناياه.
النسيج الحركي هنا في الرواية ليس اعتباطيًّا، بل هو فعلٌ قَصدي، إنَّه حِيكَ بحِرفيَّة متقنة، يصور لنا فادي من خلاله حالتَه ومعاناته، يَنقل أحداثَ أعماقه بكاميرا الكلمات إلى سطح الواقع؛ لتكون صورة مجسدة، عنوانها: «الأنا».. فالسياق الشعوري السريع، وكثافة الشحنات العاطفية، والتوتُّر الدرامي، يصعِّد من إيقاع الحدث السردي في روايته ،لكن فجأة يَخبو الثوران؛ فبعد الحركة الإيقاعيَّة التصاعديَّة، ها هي الآن تنازليَّة، يعود الإيقاع إلى الهدوء؛ ممَّا يؤثِّر في نفسيَّة الأنا الثائرة، والمتلقي معًا، فينقلنا من أرض الثورة إلى السماء الفسيحة الهادئة؛ ليرسم من سحبها رسائل وذكريات تهمي بالفرق بين ذاته وغيره.
ومن هنا يتوجب علينا الوقوف لا عند المتتاليات التكوينية التي بنت رواية الأنثى الافتراضية، وهما المتتاليتان السردية والوصفية التي رصد الراوي فيهما ظهورا متناوبا حادا، بالرغم من هيمنة المتتالية السردية طبعا، إلا أنه ركّز على الرسائل التي شكل حضورها سمة بارزة طُبعت في نص الرواية من البداية إلى النهاية، فارضة بذلك بناء نصيا مميزا يوقفنا لنتساءل:
لماذا يا ترى وظف فادي كل هذه الرسائل المنقولة؟
لماذا هذا الحضور للآخرالافتراضي في نصه.
* شاعرة وأكاديمية من الأردن
رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش