الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اضطرابُ الأولويات فخٌّ قاتل

د.حسان ابوعرقوب

الأحد 15 كانون الأول / ديسمبر 2019.
عدد المقالات: 296

يهتمّ فريق من الإخوة طلاب العلم ببعض المسائل الفرعية، تدريسا وتعليما وخطابة، وهي أمور خلافية بين الفقهاء، والخلاف فيها يسع الجميع، ومن أمثلة هذه المسائل: سترة المصلي، وذكر لفظ السيادة عند ذكر اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في التشهد، وتحريك الأصبع فيه، ودعاء القنوت في الفجر، ورفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، وغيرها.
المشكلة ليست في عرض هذه المسائل أو الإشارة إليها، أو تبني أحد الآراء فيها، وقد أشرت إليها في مقال سابق متبنيّا رأيا معينًا فيها، لكنّ المشكلة في ثلاثة أمور:
الأمر الأول، أن يُفنيَ أحدنا عمره كله في هذه القضايا، شرحًا وتدريسا وخطابة وتأليفا، وتسجيلا للأشرطة، وكأنّ الإسلام لم يحمل في طياته غيرها، فتصير هي شغله الشاغل، وهمّه الأكبر، يعيش ويموت لأجلها، وينقل هذه الهمّ إلى تلاميذه ومريديه، فيشغلون أدمغتهم بهذه المسائل، ويَشغلون غيرهم بها، لتقع الأمة في فخ اضطراب الأولويات، فبدل أن نؤسس لنهضة شرعية علميّة وأخلاقية وسلوكية، مبناها على القضايا الكلية، والمقاصد الضرورية للشريعة الإسلامية، نمضي أعمارنا بالبحث في قضايا خلافية ليست إلا من باب الفروع الذي يسع الجميع دخوله.
الأمر الثاني، أن يعتبرها أحدنا من الأمور التي تدخل في مظلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، متجاهلا القاعدة الذهبية: أن النهي عن المنكر لا بدّ أن يكون في أمر متفق عليه، وليس في أمر يقف في ساحة الخلاف، فشرب الخمر، أو أكل الربا من الأمور المتفق على حرمتها عند الفقهاء، فهي داخلة في ساحة النهي عن المنكر، أما ما ذكرت من مسائل فقهية وغيرها أيضا فهي مسائل خلافيّة عند الفقهاء، فلا يجوز التعامل معها كأنها مسائل محسومة لا خلاف فيها، فنتعرّض لكل من خالفنا بالتخطئة أو التبديع متذرّعين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، معتبرين هذا الفعل الهجومي على الآخرين قربة إلى الله تعالى، وهذا ما يقوم به بعض الإخوة في مساجدنا.
الأمر الثالث، أن يتعامل أحدنا مع هذه المسائل كأنها صلب الدّين، معتقدًا أنّ حال المسلمين لن يصلح إلا بتبنّي وجهة نظره، وهنا مشكلتان: الأولى، أنّ صلب الدّين هو (الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والعبادة والأخلاق) فبدل أن نركّز على نشر العقيدة الصحيحة بين الناس، ونشر الوعي الأخلاقي بينهم، ورفع هممهم في العبادة والطاعة والقرب من الله، نشغل أنفسنا وغيرنا بالفروع، ونمزّق صفّ المسلمين بدل أن نجمع كلمتهم. والثانية، أنّ أحدنا يحتكر الحقّ والصّواب، ويصاب بالغرور والكِبْر، فلا يرى الصواب والحقّ إلا فيما يراه، مع علمه أنها مسائل خلافية محتملة.
علينا أن نعيد النظر في أولوياتنا كمسلمين، وكطلاب علم ودعاة، سائلا الله تعالى أن يلهمنا الصواب، ويغفر لنا زلاتنا، إنه سميع قريب مجيب.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش