الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

اغتراب وحنين

نور أحمد

الثلاثاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2019.
عدد المقالات: 37

ابتعدت عن مدينتي أعواما من الزمن، لم أكن حينها أعرف معنى الغربة، جل ما كان في الذهن تفوق ونجاح فعودة الى الأم والأحبة، لم يكن اغتراباً طويلاً والمسافات لم تكن بعيدة جداً، لكن الحنين كان أعظم والشوق في كل لحظة يقضي سنين.
 الاغتراب خيار مهما كانت دوافعه، شخصية او اسباباً خارجة عن الإرادة لتحقيق هدف ما والتقدم خطوة أخرى نحو النجاح، كانت غربتي لطيفة تعرفت على أناس لم أكن أعرفهم والحمدلله وهبني صديق العمر خير رفيقة في الدنيا والآخرة، تذوقت اشهى الاطباق و تنفست الصعداء، عشقت شوارع مدينة الاغتراب بعد ان اصبحت مدينتي الثانية، رافقت النسيم وداعبني الهواء باسماً يرافق الشوق والحنين وحدثتني الأزقة عن خفاياها.
 كان لي هناك حديقة سرية لا يألفها احد سواي، كنت أهرب إليها حين يجتاحني الحنين و يشل الحياة حولي ولا يبقى سوى النبض معي و شيء من الكتب تسرد لي خفايا وحكايات وتأتمنني على أسرار وأبادلها أسرار غربتي وابوح لها شوقاً يعتريني لأُمي و لأجمل الملائكة في حياتي وهبني أياهما الله في الدنيا.
 كنت حين اعود الى مدينتي الأم حيث أنتمي ووطني أجد معنى الحياة حقاً، وأشعر بأن الروح قد رُدت الى نفسي؛ فيمر بجسدي سلام برد بعد طول الغياب.
 أذكر أني غفوت ذات يوم أمام مدفأتي بعد مرحي مع ملائكتي والسهر الجميل برفقتهم، وما اجمل الصباح في وطني وما اروع الشمس حين تشرق كابتسامة أمي.
 كنت في الغربة أنجح وأمرح وأضحك واحياناً مع الشوق ولهفة الحنين.....، أحببت الجميع هناك والحمدلله الجميع أحبني ونجحت وتفوقت بدعوات أمي وفضل ربي.
 الغربة لا مفر منها ولابد من مقاساة لوعتها والاعتياد على الحب والعيش فيها، لاسيما ان كان الاغتراب اغترابا مفتوحا وفيه الفرص متاحة لرؤية الأهل والأحبة وتقبيل تراب الوطن والارتواء من ماء خيراته ونعيمه بحفظ أهله.
الاغتراب قصة نجاح ومحطة فرح نمضي إليها هدفاً وغاية ويبقى الكمال لله تعالى عز وجل أبداً ودائماً.
 في زمن الحرب والصراع نضطر أحياناً لمغادرة ارضنا مرغمين لا خيار امامنا سوى الرحيل، لكن يبقى الفؤاد معلقا في حدائق الوطن وعبق الجبال والهضاب والحنين، قد يرى البعض ان التغرب وقت ازمات البلاد هروب، لكنه ليس كذلك إن كان من الله السبيل، صحيح لا يجب التخلي عن الوطن مهما اشتد عليه الجائرون والزمان. لكن يبقى نجاح الإنسان في غربته منسوباً الى ابن الوطن مهما نال من امتيازات وحقق تقدماً في بلاد الاغتراب، ويبقى الأخير وطنا ثانيا يصان ويحفظ في الصميم والخير سابق الإنسان في البقاء والرحيل.
 لكن لا تخرجوا من دياركم بطرا، إن كان الاغتراب لا يستوجب عذابا وترحيلا.
 كفاءة الانسان تبقى لذاته ولاجيال من بعده، يبني حياة وحياة و يبقى اسم الوطن للإنسان هوية، وأقدس شارة للصدر وأطهر وسم في الجبين أن يكون فلانٌ ابن وطنه ناجحاً مغواراً شجاعاً لا يعرف المستحيل، والنجاح رفيقك أينما حلت خطاك ومهما اغتربت يعطيك خالقك فيرضيك.
 من يملك وطناً يملك الدنيا في حياته ولا شيء يضاهي حنين الأم و دفء السنين، جعل الله أرضنا آمنة في خير عز وكرم.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش