الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأردن وسط «هلال إرهابي» .. لم نفقد البوصلة ولن نجلس على مقاعد الانتظار

تم نشره في الأربعاء 20 أيار / مايو 2015. 03:00 مـساءً

 

كتب: المحرر السياسي

على مشارف الذكرى السنوية الأولى لـ «غزوة الموصل»، نجح تنظيم «الدولة الإسلامية» في بسط سيطرته على عاصمة محافظة الأنبار وكبرى مدنها وتجمعاتها السكانية، في ثاني «هزيمة نكراء» تتعرض لها القوات المسلحة العراقية، وصفتها الإدارة الأمريكية بـ «الانتكاسة»، فيما المعلومات والتقارير تؤكد سيطرة التنظيم الإرهابي على العديد من مدن وحواضر وبلدات المحافظات العراقية للعراق، برغم الضربات الجوية المتواصلة لأكثر من عشرة أشهر على قوافله وقواعده ومقار قيادته.
«داعش» ما تزال باقية، وما تزال تتمدد، ليس في العراق وحده، بل وفي سوريا كذلك، إذ بالتزامن مع الهجمات المكثفة على الرمادي، كان التنظيم يخوض أعنف المعارك على أبواب مدينة تدمر التاريخية وتلامس حواف محافظة السويداء على مقربة من الحدود الأردنية وغير بعيد عن مناطق انتشار وسيطرة شقيقته في «السلفية الجهادية»، جبهة النصرة، وكانت عناصره تحرز كذلك تقدماً ملموساً في ميادين القتال للسيطرة على بيجي ومصفاتها العملاقة التي تؤمن للعراق ثلث احتياجاته من المشتقات النفطية...بعد أن سجل انتحاريو التنظيم أول اختراق يلامس الحدود الأردنية عندما نجحوا في تدمير معبر طريبيل العراقي قبل عدة أسابيع.
نحن إذاً، أمام خطر زاحف، يتقدم ولا يتراجع برغم كل الوعود والتعهدات التي قطعتها الولايات المتحدة ودول التحالف والعواصم ذات الصلة في البلدان المستهدفة ... فالتنظيم ما زال قادراً على المبادأة والمبادرة وشن الهجمات، وكلما جفت مستودعاته من السلاح والذخيرة، كلما تمكن من ملئها من جديد، كما حصل بالأمس عندما وضع يديه على مخزون ضخم من عدة وعتاد الجيش العراقي.
الأردن الذي بات محاطاً بـ «هلال جهادي» على حدوده الثلاث (شمالاً داعش والنصرة، شرقاً داعش، وجنوباً ولاية سيناء)، لم يعد يمتلك ترف الجلوس في مقاعد الانتظار ... فالإرهاب يطرق حدودنا ومعابرنا الدولية، ولولا يقظة قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، لولا حكمة القيادة ووعي الشعب، لما ظل الأردن واحة للأمن والأمان في هذا الإقليم المضطرب.
لقد انتهج الأردن في سنوات «الفوضى غير الخلاقة» الأربع الفائتة، سياسات واضحة حيال الأزمات التي تعصف بالدولتين الجارتين ... دعا إلى نبذ خيار الحسم العسكري والتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية لهذه الدول، شدد على وحدة هذه الدول والأوطان والمجتمعات، دعا لعملية سياسية ومؤسسات دستورية وحكومات شرعية ممثلة لمختلف مكونات الطيف السياسي والاجتماعي، شدد على وجوب إدماج مختلف هذه المكونات في العمليات السياسية الجارية، لتشييد نظم سياسية متوازنة، تقوى وحدها على «تجفيف» البيئة الحاضنة للتطرف والإرهاب ... هذه المواقف المبدئية، كانت وما تزال، تشكل الأساس الذي تنبثق كافة المواقف والسياسات والتكتيكات... الأردن لم يفقد البوصلة برغم اشتداد الضغوط وتعاقب التطورات الصعبة والمريرة.
لكن مع تفاقم التهديد الإرهابي، ووصول الجماعات المنبثقة عن القاعدة والمتمردة عليها، إلى أطراف حدودنا الشمالية والشرقية، لم يكن للأردن أن يظل في حالة سكون ... أو أن يعلق مصائر أمنه الوطني واستقراره، على التطورات الجارية في دول الجوار، فكانت المبادرة للدعوة إلى النظر للحرب على الإرهاب بوصفها حرباً داخل البيت الإسلامي والعربي، تستوجب حراكاً وقيادة عربية وإسلامية ضد التطرف والمتطرفين ... وظّف علاقاته مع قوى الإقليم وعواصم العالم للدفع باتجاه «تسويات سياسية» متوازنة للصراعات المحلية ... قبل أن يلتحق بالتحالف الدولي ضد الإرهاب، باعتبار أن المعركة على هذا التنظيم الإرهابي، هي معركتنا نحن كذلك، وليست معركة الآخرين، خصوصاً العواصم الدولية.
وما كان للأردن، وهو يرى ألسنة الحريق السوري والعراقي وشظاياه المتناثرة، التي تكاد تلامس مدننا وقرانا الحدودية، أن يقف موقف المتفرج، عمد إلى الاتصال بالقوى الاجتماعية من عشائر ومكونات اجتماعية مختلفة، فضلاً عن القوى السياسية المؤمنة بالدولة والسلم والاستقرار، من أجل تدعيم صمودها على أرضها أولاً، وتوفير جدار دفاع ذاتي عن أمن الأردن واستقراره ثانياً، مستلهما دروس 2007 – 2008 في غرب العراق، عندما نجح أبناء الأنبار وعشائرها في استئصال شأفة القاعدة وتصفية وجودها الذي لم يهدد أمن هذه المحافظة فحسب، بل وطاول أمن الأردن الداخلي، بدلالة عملية الفنادق الثلاثة.
قد لا تروق هذه المواقف والسياسات لبعض العواصم المعنية، إذ رأينا النظام السوري يوجه اتهامات جزافية ظالمة للأردن، من دون أن يستذكر المواقف المتميزة التي أصر الأردن على انتهاجها رغم الضغوط والمغريات في السنوات الأربع الماضية، حفاظاً على وحدة سوريا واستقلالها، وأملاً في تعافيها السريع دولة وشعباً ومجتمعاً ... ومن دون أن يتوقف ولو للحظة واحدة، أمام واقع «فراغ السلطة» الذي خلفه انسحاب القوات السورية من المناطق الحدودية، أمام ضغوط المعارضات المسلحة، بمن فيها المصنفة إرهابية، فهل كان يتعين على الأردن الانتظار حتى يدير معاركه مع الفوضى والإرهاب من داخل مدنه وبلداته الحدودية؟ ... هل كان يتعين على الأردن، أن يصطف إلى جانب نظام، أصم أذنه وأشاح ببصره عن كل النداءات والنصائح والمناشدات، التي جاءته من الأصدقاء والحلفاء، موغلاً في خياراته الأمنية والعسكرية؟ ... هل كان من الأفضل لسوريا، أمناً وسيادة واستقلالاً ووحدة ترابية، أن ينحاز الأردن لأطراف تريد أن تشعل الأرض السورية تحت أقدام النظام، أياً كانت العواقب ومهما بلغت الكلفة؟
لقد اختار الأردن طريق الانحياز للحل السياسي التوافقي للأزمة السورية، طريق محاربة داعش والإرهاب والتطرف والمتطرفين، طريق حفظ وحدة سوريا وسيادتها، طريق تأمين حدوده الشمالية في وجه الأخطار المتفاقمة التي تتفاعل على مختلف الجبهات والحدود والاتجاهات.
أما على الجبهة الشرقية، فلم تختلف المواقف والسياسات، لأنها تنطلق من المعايير والمبادئ ذاتها ... أما الفارق، فيتجلى في وجود حكومة عراقية أكثر تفهماً واستعداداً للتعاون، حكومة أكثر واقعية في فهم الأخطار والتحديات، حكومة تعترف بالآخر برغم التقصير في استيعابه وإدماجه في النظام السياسي والمؤسسات العسكرية والمدنية ... حكومة لا ترى في كل معارض لها، مشروع إرهابي كما هو الحال عند الجارة الشمالية، التي لم يصدر عن حكومتها بعد، أية دلائل على الاعتراف بحجم المشكلة او القبول بالآخر، أو استعداد لتقديم أي تنازل للشعب السوري، ربما بانتظار لحظة الصفقات والتسويات التي سيجري فيها تقديم التنازلات السخية لقوى الخارج، سواء كانوا من معسكر الحلفاء (إيران في هذه الحالة) أو حتى معسكر الخصوم (الولايات المتحدة) تأسياً – ربما - بصفقة الكيماوي.
صحيح أننا نستمع بين الحين والآخر، لأصوات «نشاز» تأتينا من بغداد، بيد أن الصحيح كذلك، أن هذه الأصوات لا تعبر عن مواقف الحكومة ورئيسها بخاصة، الذي يعترف للأردن بدورها المساند والمساعد، للحكومة والجيش والأجهزة الأمنية والشرطية، ويتقبل المساعدة الأردن في «التجسير» بين بغداد والعشائر العربية السنية ... ولا يبدو غضاضة في استيعاب العلاقات الأردنية الكردية المتميزة كذلك.
وعلى الجبهة الجنوبية، تبدو العلاقات المصرية – الأردنية في واحدة من أحسن لحظاتها، فالتنسيق بين البلدين على أعلى المستويات، وهو ينهض على قاعدة واسعة من التفاهمات والتوافقات السياسية، فالبلدان متفقان على أولوية محاربة الإرهاب على ما عداه من سائر الأولويات في هذه اللحظة الدقيقة بالذات، وهما ينظران للتهديد الإرهابي في سيناء بخاصة، بوصفه تهديداً مشتركاً، والذاكرة الأردنية الحيّة، ما زالت تحتفظ بصور للاعتداء الإرهابية على ميناء العقبة وخط أنبوب الغاز المصري، التي نفذتها جماعات، ستعلن لاحقاً ولاءها لدولة «داعش»، تحت مسمى «ولاية سيناء».
نقول ذلك، والأردن في ذروة «حرب داخلية» ضد مظاهر التطرف والغلو، حيث تشتد الحاجة لتجفيف منابعه في المناهج والكراريس المدرسية والجامعات وبيوت العبادة ومؤسسات الوعظ والإرشاد ومنابر الصحافة والإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ... فالمعركة مع الإرهاب، لها أبعاد خارجية، تتولاها الدبلوماسية الأردنية التي يشرف عليها جلالة الملك، وتتولاها عيون ساهرة وسواعد قوية من ضباط ومنتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على المستويين الأمني والعسكري، أما في الداخل، فهي حرب كل أردني وأردنية، ضد آفة التطرف وسرطان العنف المتدثر بلبوس الدين.
نقول ذلك، ونحن نتابع بكل الاهتمام، تطورات الأيام الأخيرة في المشهد الداخلي، حيث أظهرت الدولة حزماً وإصراراً لا تلين لهم قناة، في التعامل مع مظاهر «التقصير» و»فوضى التنسيق»، بين الأجهزة ذات الصلة، مما يسيء لكرامة المواطن وهيبة الدولة ومكانة أجهزتها، سيما في هذا الظرف الدقيق الذي تتفاقم فيه الأخطار والتحديات من حولنا، وفي مقدمها تهديد الجماعات الإرهابية، التي نجحت أو تكاد، في الإطاحة بهياكل دول مجاورة، واقتطاع مساحات واحدة من أراضيها، وإشاعة مناخات الفوضى والاقتتال الأهلي، ووضع البلاد والعباد والخرائط على سكة التقسيم و»الفك والتركيب».
نقول ذلك، ونحن نستقبل بكل ارتياح وثقة تأكيدات جلالة الملك، بأن الظرف الإقليمي من حولنا، ومعركتنا ضد التطرف والإرهاب، لن يحولا دون استمرارنا في عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي، فالإصلاح الشامل متعدد المسارات، هو طريقنا لمحاربة التطرف والإرهاب، ولن يكون أبداً ضحية لهما.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش