الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأزمة دعوة للفعل

جمال الطاهات

الثلاثاء 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2019.
عدد المقالات: 67


تتجلى الأزمات بتعارض الضرورات، ومن حيث هي حالة لم نعتد عليها، تحتاج إلى فعل غير اعتيادي من خارج إطار الاستجابات العادية. وأخطر الأزمات هي أزمة مواجهة حالة غير عادية وطارئة بطريقة عادية وبرتابة العمل اليومي، فهذا دليل عجز عن التكيف.
لا يتمثل مفهوم الازمة في وصف ما هو موجود في الواقع الموضوعي فقط، بل يتعداه لوصف علاقتنا بهذا الواقع. فالازمة الاقتصادية ليست في النشاط الاقتصادي، بل في العلاقة مع المنظومة الاقتصادية، كما أن الازمة الصحية ليست ما يجري على المستوى العضوي، بل في علاقة الطبيب والمريض مع هذه الحقيقة الموضوعية. فالازمة مفهوم يصف علاقة الإنسان بالواقع. فهي ليست وصف الواقع فقط، بل توضيح لعلاقتنا معه. ومضمون التعبير نفسه يتجاوز «وصف» الواقع والعلاقة معه، إلى التأكيد على الدعوة للفعل في مواجهة هذا الواقع. فالعلاقة هي (تأثر وتأثير).
وتشير إحدى الموسوعات إلى أن «كلمة أزمة في اللغة الصينية تتألف من مقطعين: خطر وفرصة. وبالرغم من تحفظ اللغويين على استنتاج المعنى بهذه الطريقة»، لكن هناك حكمة متواترة في التعاطي مع مفهوم الازمة بهذه المقاربة: الأزمات مناجم للفرص. والنظرية الاقتصادية تكشف حقيقة تطور المنظومات الاقتصادية بفعل نوعين من الازمات، منها البنيوية المتعلقة بطبيعة النشاط الاقتصادي، ومنها الناشئ عن ظروف خارجية مثل الحروب والكوارث المتواترة.
في اللغة اللاتينية تعبير أزمة في القواميس يعني (اختيار، قرار وحكم). مما يؤكد أنها تعبير عن التفاعل الحيوي مع الواقع الموضوعي. المعاجم العربية ردت الكلمة إلى الضيق والكرب (عارض مؤقت) وعكسها الرخاء والسهولة. مما يستدعي التجلد والصبر حتى تنتهي دورة «الزم»، وتعود الامور لطبيعتها. ودعا الشعراء لتجاوزها بالتجلد والتمسك بقيمنا من كرم وشجاعة.
مفهوم الأزمة متعلق بثلاثة مستويات: مستوى العناصر الاولية التي تشكل المنظومة، ومستوى أداء المنظومة بشكل متكامل، والمستوى الثالث متعلق بالطرف الذي يدير ويتأثر ويستفيد من هذه المنظومة.
فالازمة لا تكون بمجرد حصول خلل في منظومة، بل إن هذا الخلل يتحول إلى أزمة حين يتعلق الأمر بمصلحتنا. فالخلل حالة موضوعية، أما الازمة فهي مرتبطة بعلاقتنا مع الخلل وأثره علينا، مما يتطلب إجراء. فالازمة مرتبطة بضرورة الفعل. وهذا الفهم ينسحب على الازمات في كافة القطاعات.
القواميس والموسوعات الإنجليزية تعرف الأزمة بأنها نقطة تحول وانعطاف. ولكن نقطة التحول بمعزل عن علاقتنا بها، لا تكون أزمة، بل مجرد خاصية للمنظومات التي نتعامل معها. ولكن أهمية هذا التعريف، هو أنه يؤكد على التحول والتغيير الذي يتطلب فعلا من نوع جديد. وفي الرياضيات، إذا اعتبرنا كل منظومة معادلة ممتدة فإن نقطة الانعطاف، هي نقطة «انفصال» وأن المنظومة غيرت مسارها وبعض خصائصها ولم تعد تؤدي كما كانت تؤدي، وهي «تتطور»، أي تنتقل من طور إلى طور، مما يتطلب استجابة جديدة.
مواجهة الازمة تستدعي القدرة على اختزالها كنقطة انعطاف، ومواجهتها بمنطق التطوير: انتقال المنظومة من طور إلى طور جديد يتطلب فعلاً من نوع جديد. فبدل أن تنحصر استجابتنا للازمة بالتجلد والصبر حتى تنقضي، أو أن نكتفي باصلاح العنصر المختل لنعود إلى ما كنا عليه، يجب اغتنام فرصة الأزمة لتطوير الذات والانتقال من طور إلى طور أعلى.
إن تطوير عملنا اليومي لمواجهة أي أزمة، يزيد من قدراتنا على مواجهة كل الازمات اللاحقة وتحويلها من «تنين ضخم إلى حرذون» على حد وصف عالم الاقتصاد بول سامويلسون.
إدراك طبيعة مواجهة الأزمات، يقود إلى منهجية لتطوير قدرات التكيف باعتبارها أهم مؤشر من مؤشرات الصحة والحياة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش