الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

تم نشره في الأحد 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2019. 04:57 مـساءً

بقلم - مسرور أسود :

في توقيت دقيق، ووسط انفلات هنا وهناك، ودوي أصوات الكراهية في مختلف أنحاء العالم، كان لابد أن يكون هناك صوت يعيد إيقاع التسامح والمحبة وقبول الآخر إلى الآذان من جديد، وانطلاقًا من هذا قام مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار (كايسيد) بعقد مؤتمره العالمي في الفترة من 30 إلى 31 أكتوبر 2019 في العاصمة النمساوية "فيينا" بعنوان: "دور الدين والإعلام والسياسات في مناهضة خطاب الكراهية وتعزيز التعايش السلمي"، حيث شرُفت بأن أكون مشاركًا ضمن 200 شخص من القيادات والمؤسسات الدينية وصانعي السياسات والإعلاميين وممارسي الحوار من مختلف دول العالم، لنتشارك في بحث القضية ووضع مشروعات ومبادرات عملية لمواجهة خطاب الكراهية ونشر المحبة والوئام.

 

على مدار يومين استطاع مركز (كايسيد) بمشاركة الحضور أن يقدم حلولًا وبرامج ومشروعات مقترحة ليتم تفيذها خلال خططها للعام القادم، ليكون بذلك "شعلة المحبة" التي ستمحي ظلام الكراهية، ومما زاد بريق الأمل، ما أعلنه الأستاذ فيصل بن عبدالرحمن بن معمر -الأمين العام لمركز كايسيد العالمي للحوار- في ختام المؤتمر عن تخصيص المركز ما يقرب من 1.5 مليون يورو للمبادرات الهادفة إلى مكافحة خطاب الكراهية عبر البرامج العالمية للمركز في عام 2020 بالمشاركة مع منظمات أممية ومن خلال منصات المركز الخمس في المنطقة العربية وأوروبا وأفريقيا وآسيا.

 

وجاءت هذه المشاريع الخاصة بالمنطقة العربية نابعة من أعمال المؤتمر وورش العمل التي تمت فيه وشارك فيها خبراء متخصصين، حيث تم خلالها تحديد الأولويات في التعامل مع خطاب الكراهية والتحريض على العنف باسم الدين في المنطقة العربية، ومعرفة نقاط التعاون المشترك بين الحكومات والمؤسسات والقيادات الدينية والإعلامية في مكافحة خطاب الكراهية ومنع التحريض على العنف، والخروج ببعض المقترحات لتطوير دور التعليم الحاضن للتنوع الديني والثقافي في مكافحة خطاب الكراهية والتحريض على العنف، وكذلك تعزيز قدرات المعلمين ومطوري المناهج الدراسية لتمكينهم من دمج قيم التعايش السلمي في النظم التعليمية.

 

استطاعت محاور مؤتمر (كايسيد) أن تتوغل في صلب المشكلة لمعالجتها من الصميم، فالمحاور الرئيسية تناولت دور رجال الدين وكذلك رجال الإعلام ورجال السياسة في مواجهة خطابات الكراهية، فلا يخفى على الجميع أن رجال الدين والخطاب الديني خاصة في منطقتنا العربية هو عامل رئيس في تحريك المجتمع وتشكيل وعيه وثقافته كون مجتمعاتنا العربية تميل إلى التدين بشكل فطري، فالمشكلة في خطاب الكراهية المستند إلى فهم ديني مغلوط أن صاحبه أو من يتبناه لديه يقين أن هذا الخطاب العدائي والتحريضي ضد المخالف له يزيده إيمانًا وقربًا من الجنة والنعيم، وإذا ما صدر من أحد رجال الدين المتشددين فإنه بلا شك يكون مُصَدقًّا وأكثر تحفيزًا للتطبيق.

 

لذا كان من المهم تدارس كيفية الخروج بمشروعات ومبادرات تعزز من دور رجال الدين وخطابهم في نشر ثقافة قبول الآخر والعيش المشترك ونبذ خطاب الكراهية الذي يصَّدره بعض المتشددين من رجال الدين ويتبناه أتباعهم.

 

ولن يكون ذلك إلا من خلال وضع آليات ووسائل نُسهم بها مع رجال الدين لتطوير الخطاب وأساليب التواصل خاصة مع فئة الشباب الأكثر استهدافًا الآن بهذه الخطابات، وكذلك إعلاء قيم التسامح والمحبة والتعاون في نفوس الشباب حتى تسود المحبة بين الجميع في الوطن الواحد باختلاف توجهاتهم ومعتقداتهم وأعراقهم.

 

لم يغفل المؤتمر الدور الخطير لوسائل الإعلام، سواء الإعلام التقليدي المتمثل في الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية وغيرها، وحتى وسائل الإعلام الجديد مثل مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة التي أصبحت الآن محركًا للكثير من الأحداث سواء كان ذلك بشكل إيجابي أو سلبي داخل منطقتنا العربية بل والعالم أجمع، حيث أتاحت تلك الوسائل لكل شخص أن يقدم نوعًا جديدًا من الإعلام العابر للحدود وبأقل التكاليف، فعن طريق هاتف ذكي وخدمة إنترنت يستطيع أي شخص أن يمتلك صفحة على أحد مواقع التواصل الاجتماعي بل وقناة يبث عليها أفكاره مثل موقع "يوتيوب".

 

من هنا جاءت أهمية هذا المحور لمناقشته في مؤتمر (كايسيد) خاصة بعد أن رصدت بعض الدراسات حول خطاب الكراهية في الصحافة ازدياد وتيرة هذا الخطاب خلال السنوات الأخيرة، وهو ما أبرزته دراسة لمركز "هي للسياسات العامة" عام 2015 أجريت على خمس دول من المنطقة العربية، وبينَّت أنه على الأقل يتم نشر ست خطابات كراهية يوميًا في الصحافة، وتم ملاحظة أن المصـطلحات التي تحض على الكراهية تكـررت ٤٩١ مـرة فـي العراق بنسبة (16%) من إجمالي ما يتم نشره وبثه، بينما في البحرين تم رصد تكرارها 492 مرة بنسبة (16%)، و١٢٢٨ مرة في اليمن بنسبة (40%)، في حين بلغت النسبة في مصر (44%)، وفي تونس (15%) ليبلغ إجمالي خطابات الكراهية في فترة الدراسة 3386 مصطلحًا يـتم تـداولها ضـمن خطـاب الكراهية في الدول العربية الخمس.

 

أما وسائل التواصل الاجتماعي فحدث ولا حرج، فهو مكان يجتمع فيه كافة الاختلافات الدينية والعرقية والسياسية والإثنية والجغرافية المختلفة، مما يجعله مكانًا خصبًا للاستقطاب وازدياد خطابات الكراهية، فقد أظهرت نتائج دراسة أجريت نهاية العام الماضي 2018 أن نسبة (94٪) من مستخدمي خطاب الكراهية هم من المستخدمين العاديين لوسائل التواصل الاجتماعي، مع (4٪) للصحافيين و(2٪) للسياسيين، وهو مؤشر خطير.

 

كل هذا جعلنا في حاجة ماسة لإيجاد آليات لوقف طوفان الكراهية في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي على حدٍ سواء، وقد يكون ذلك عبر برامج تدريبية وتثقيفية للعاملين في مجال الإعلام وكذلك الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي تعمل على نشر ثقافة الحوار والعيش المتشرك وتبين خطورة خطاب الكراهية وهو ما عملت عليه (كايسيد) منذ فترة وتبنته أيضًا خلال المؤتمر الأخير.

 

رجال السياسية كذلك لهم نصيب من خطاب الكراهية، خاصة خلال السنوات الأخيرة مع ثوراث الربيع العربي التي زاد خلالها خطابات الكراهية خاصة على المستوى السياسي نتيجة للاستقطاب السياسي والصراعات والتجاذبات التي وقعت بين السياسيين بعضهم بعضًا، وكذلك أتباعهم الذين قد تتحول الكراهية عند بعضهم من خطاب إلى فعل وجرائم.

 

كذلك صانعي القرار والمسؤولين الحكوميين ورجال التعليم عليهم دور مهم في مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح وقبول الآخر، فالرفض الرسمي الصريح من قبل رجال السياسة بمختلف اتجاهاتهم ومناصبهم الرسمية وغير الرسمية وإدانة الأفكار التي تحث على نبذ الآخر وكراهيته عليها عامل كبير في القضاء على هذا النهج ومكافحة خطاب الكراهية في منطقتنا العربية، وسينعكس بشكل إيجابي على حفظ استقرار المنطقة. 

 

وهذا يجعل من المهم أن يتم الدفع بإصدار قوانين تجرم خطاب الكراهية على كافة المستويات سواء الدينية أو الإعلامية وكذلك الخطاب الرسمي أو العام، وتفعيل ميثاق الشرف الإعلامي ليكون ملزمًا للعاملين في مجال الإعلام، وتبني الشخصيات الإعلامية البارزة والناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي لأدوار ومبادرات تسهم في نشر التعددية والمحبة وتواجه خطاب الكراهية، فضلًا عن الدور الكبير والمهم لتضمين المناهج التعليمية والتربوية في بلداننا العربية لمواد تعزز خطاب المحبة والتسامح وقبول الآخر، وتدفع نحو المواطنة الكاملة لكافة أفراد المجتمع وفئاته.

 

وفي النهاية أقول: إن تعاون كافة مكونات المجتمع في منطقتنا العربية على مواجهة خطاب الكراهية والإقصاء والتحريض بجميع صوره وأشكاله، هو خط الدفاع الأول أمام كافة المخاطر التي تواجهها دولنا العربية والعالم، ويضمن للأجيال القادمة أن تعيش في مجتمعات متماسكة يتمازج فيها كافة الأطياف ويتعاونون من أجل نهضة أوطانهم وعمارة الأرض في محبة ووئام.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش