الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

فرصة للتذكير بمسألتين

حسين الرواشدة

الأحد 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2019.
عدد المقالات: 2589


لا يوجد لدي اي كلام اضيفه على الدعوات التي انطلقت للمطالبة باطلاق سراح الموقوفين والمساجين الذين لم يتورطوا بقضايا جنائية، كما انني لست في وارد اي مناقشة سياسية للموضوع، ومع الاحترام لاحكام قضائنا وموازين العدالة في بلادنا، فانني انظر الى المسألة من جانب انساني محض، خاصة اننا تعودنا في هذا الوطن العزيز ان نتفقد اوجاعنا ونتلمس احزان اخواننا الذين تجمعنا بهم روابط الدم والقربى، ولم نعهد في نظامنا السياسي اية قسوة حتى ضد الذين خرجوا عن سكة المعارضة الوطنية الى التشكيك بالدولة، ولهذا كيف يمكن لاحدنا ان يقف متفرجا امام معاناة اطفال في هذا الشتاء القارص بحثوا عن والدهم فلم يجدوه معهم، او زوجة افتقدت زوجها الغائب في السجن وضاقت بها ظروف الحياة بعد ان وجدت نفسها وحيدة بلا معين.
هذه - بالطبع - فرصة للتذكير بمسألتين : الاولى ما تضمنه التقرير الذي اصدره المركز الوطني لحقوق الانسان عن حالة « حقوق الانسان في الاردن « لعام 2018، لا استطيع هنا التعليق على ما ورد فيه، على اهميته، لكنني اتمنى على رئيس الحكومة ان يخصص على اجندة اجتماعات مجلس الوزراء جلسة نقاش خاصة للموضوع، المسألة الثانية ما نسمعه مرارا حين يتعلق الامر بحقوق الانسان عن ضرورة استعادة الدولة لهيبتها، هذا مطلوب بالتأكيد، لكن هيبة الدولة لا تفرض بالقوة، ولا بالقانون فقط، وانما تتحقق حين يشعر الناس بالعدالة والأمن، وحين تتوافق ارادتهم مع ارادة القرارات المتعلقة بادارة شؤونهم، وعندها تتحول العلاقة بين الدولة ومكوناتها من دائرة «الاكراهات» السياسية والاجتماعية الى دائرة «الخيارات» المفتوحة على السماحة والتقدير المتبادل.
الحكم - اذن - على عافية الدولة يستند في الاساس الى قدرتها على خلق حالة من «الانسجام» بين مكوناتها ومع محيطها ايضاً، اما احساسها بالانتصار على أحد مكوناتها أو انجرارها الى «فخ» القسوة والتصنيف وتوظيفه سياسياً أو اجتماعياً للسيطرة على المجتمع، فهو أقصر طريق لاختلال الوزن، وغياب «التوافق» بين القوى السياسية المناط بها «ضبط» ايقاع الناس وتحسين المزاج العام وتعزيز «مشروع» البناء للدولة، بدل الاعتذار عن المشاركة فيه.
 من واجبنا أن ننتبه الى ان مشروع «بناء» الدولة في عالمنا العربي يتعرض لخطر التقويض والانحراف، والى ان «حالة» الانقسام بين الدولة والمجتمع تحمل بذور «الفشل» للاثنين معا، وبالتالي فان من الخطأ استنساخ مثل هذه التجارب أو محاولة «تقمصها»،ولدينا فرصة ثمينة لتجاوز كل هذه الاشكاليات،استناداً الى عاملين: احدهما ان بلدنا، تاريخياً وسياسياً، كان طارداً لمثل هذه «الثنائيات» والاشتباكات، وان الوقوع فيها هو محاولة «لمعاندة» سيرورة التاريخ والسياسة معاً، وبالتالي فان أي دعوة لفرض هيبة الدولة بالقوة، أو «اسكات الخصم» بالاقصاء، أو اخضاع المجتمع بالتخويف من الانقسام لن يكتب لها النجاح أبداً.
أما العامل الثاني فهو ان تجارب الآخرين من حولنا تقدم لنا «دروسا» مجانية لما يمكن ان نفعله ونتجنبه، ومن واجبنا ان نغذي هذه التوجه من خلال البحث عن مزيد من «المشتركات» والجوامع والتسويات، وان نأخذ مسألة «بناء» الدولة ومشروع اصلاحها بشكل جدي، بحيث لا نراهن - مثلا - على ما حدث حولنا في الدفع «للتغطية» على أوضاعنا وتجميد مسيرتنا، لا بد أن نقتنع تماماً بأن بلدنا يمتلك الفرصة والقدرة على انتاج نموذج «للدولة» الناجحة، الدولة التي تستطيع أن تنسجم مع ذاتها ومكوناتها ومع محيطها ايضاً.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش