الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

إكرام الأسير وإطعامه

تم نشره في الجمعة 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2019. 01:00 صباحاً

د. محمد الفقيه
من أعظم القربات التي يمكن أن يتقرب بها العبد إلى الله إكرام الأسير... ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا....
ومن أعظم الجرائم التي نسبت الى كتاب الله جريمة قتل الأسرى.
حملت لنا كتب التفسير التراثي بوجوب قتل الأسير في وقائع معينة واستدلوا بذلك بقوله تعالى: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ( 67 ) لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ( 68 ) فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ( 69 ) ) الأنفال.
حيث نزلت هذه الآية في أعقاب غزوة بدر، واستدلوا على أولوية قتل أسرى بدر من المشركين بروايات ملخصها أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار اصحابه بشأن أسرى بدر فكان رأي أبو بكر والرسول صلى الله عليه وسلم قبول الفداء، أما عمر بن الخطاب فكان رأيه قتل الأسرى،ولكن المفاجأة أن الوحي الإلهي نزل موافقا لرأي عمر ومخالفا لرأي النبي ورأي أبا بكر، حتى أن النبي وأبا بكر جلسا يبكيان فدخل عمر بن الخطاب وقال ما يبكيكما، فقال الرسول الأعظم والله لو نزل عذاب على أهل الأرض ما نجا منه إلا عمر.... واخبره أن حكم الله جاء موافقا لرأي عمر ومخالفا لرأي الرسول وأبي بكر.
فالآية الكريمة لا تشير من قريب أو بعيد الى قتل الأسرى، وإنما تبين بشكل واضح أنه لا ينبغي أن يكون له أسرى ابتداءا حتى يثخن في الارض،والاثخان هو كناية عن التنكيل بمن أعدوا الجيوش لإستئصال شأفة المسلمين لكي يكونوا عبرة لمن تسول له نفسه مقاتلة المسلمين، وكان من أعراف الجاهلية في الغزو أن تحرص الجيوش على الإكثار من الأسرى من أجل أن يأخذوا الفدية بدل الأسرى من أعدائهم، ولما كانت غزوة بدر أول غزوة للمسلمين فكان أكثر حرصهم على إيقاع أكبر عدد من مشركي قريش في الأسر من أجل أن يحققوا مكاسب مادية مقابل فدائهم، لذلك كان التعقيب في نهاية الآية الكريمة.... تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة.
فلو كانت الآية متعلقة بقتل الأسرى كيف يمكن أن نفهم الآيات التالية في نفس السورة يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 )
فهذه الآيات تقرر بشكل واضح مشروعية فداء الاسرى، ليس هذا فقط وإنما فيها ما فيها من مواساة للأسرى وتضميد لجراحهم رغم أنهم كفار، فهذه الآيات المليئة بالرحمة والمواساة كيف يمكن أن نتصور أن يحكم منزل هذه الآيات بقتل الأسرى.
ومن الآيات الصريحة التي تدل على عدم جواز الحرص على أخذ الاسرى قبل الإثخان في الارض وارهاب العدو وبعد تحقق الاثخان والتنكيل تأت مرحلة الأسر... والآية الكريمة تبين بشكل جلي كيفية التعامل مع الأسرى... فإما منَا بعد وإما فداء... وقول تعالى في سورة محمد :فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا  ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ  وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ.
إذا لا توجد في كتاب الله آية واحدة تشير الى إذلال الاسير أو إهانته عوضا عن قتله، بل أمر الله تعالى بالتقرب إليه من خلال إكرام الاسير واطعامه قال تعالى : ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا.
فالتفسير الموروث وما يتعلق به من فقه ينقضه كتاب الله جملة وتفصيلا.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش