الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

انتحار ..

تم نشره في الأربعاء 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2019. 01:00 صباحاً
طارق البطاينة

من الشعور ما هو موقفي موسمي فينا، فنحن نعلم مسبقاً ما هو كائن في أنفسنا إذا ما استقبلنا حدثاً معيناً، أنفرح ونمضي بعصي الهمة أم نستقبل قبلة الحزن ونأوي إلى فراش الوحدة فنتوسد ريش أحلامنا ونطيل النظر - التهاء- إلى ما نريد أن نكون مستقبلاً، ونحجب بتوجس أشعة السقطات الضّارة أعين نظرنا إلينا مستقبلاً في ظل الآن، جاعلين من ذلك -اسطوانة الأكسجين- التي تقينا خطر الموت اختناقاً أثناء الغرق عميقاً في الإحباط مثلاً. ولكن ليت قدرات تروس البعض على التحمل تكفي دماء أخشابها ترويةً لرحلة النزيف التي لربما تكون أسرجة نهايات أنفاقها بعيدة القرب من المتوقع كي لا تتوقف - بكل أسف - نبضات قلب قرار الاستمرار. هنا عزف لصرير القلم على وتر الانتحار، فاستمع!
ما نشاهده دائماً فيمن اتخذ قراره بإنهاء مسيرته الحياتية قسرياً هو الحلقة الأخيرة فقط من مسلسل جنوني الأحداث عظيم التأثير طويل الأجزاء، يعيش فيه الإنسان نصف مخرج وممثلاً في آن واحد، فالدور الذي يمثله الإنسان هنا هو التوجه الذهني الذي يتفاعل به مع الأحداث ويستقبل به النتائج تبعاً لقيمه الخاصة، ومقاييس تحقيقها التي يحدد من خلالها مدى نجاحه في بلوغه حاجاته وطموحاته، ومعادلة تقديره لذاته التي يرى في عناصرها اذا تحققت سمو نفسه،  وتحقيقها والشعور بحضورها القوي في كيانه إيجابياً. فتأتي استجابته العاطفية  رياحاً نسيميةً تمخر عباب كيانه تجاه نسبة النجاح تلك لتجعله إما سعيداً، أو قلقاً بارتياب مستمر. ومن هنا تبدأ كارثة اختيار الاتجاه حقاً، إذا ما فقد إحساسه بوجوب الاستمرارية رغم الحالة الشعورية الكلية. ففي استقراء هادئ لملامح وجه نفسه وشعوره تجد أن استجابته العاطفية لكثير من الأحداث تبلغ في مستواها حد الصدمة التي تزلزل بناءه بأكمله، جاء بها جرّاً دنو نسبة النجاح تلك تحت المستوى المطلوب بحدة الشكل والبعد عن المطلوب المتوقع، والمرصودة بعين مقاييس القيمة اللعينة المقيتة الخاطئة أصلاً. أو أدر دفة الأسباب نحو الفراغات المعنوية النفسية العميقة والتي غادر شاغلها أيّاً كان وفجأة، والذي لم يكن يشعر بقيمته الوجودية في نفسه وحياته، بل فقط كان يشعره بأمان داخلي ولم يكن يعي أبداً حجم تكلفة استرجاعه وتداعيات فقدانه، ليبدأ بالشعور بثقل ذلك الفراغ في نفسه وتبدأ مهمة مسكينة مقيته لمحاولة خياطتها، والتيه وفقدانه عصى عماه.
في السياق نفسه انتهاءا أكتب هنا، أن ثلاثة إعدامات يمارسها مريد الانتحار - بكل أسف - باقتحامه ومخالفته حدود وقواعد كل من هذه المربعات، فهو لا يستطيع إدخال يده إلى داخل حلقه ليسحب روحه أو نفسه ويقتلها، بل ما يملك فعله هو إسكات صوت عقله بإنهاء وجوده المادي المدرك بالحس، ولكنه لا يعلم - ويا للأسف - بأن هذا الكيان الجميل والجميل جداً بأجزائه الثلاثة، هو قطعة فريدة عظيمة بتعقيدها، تطلب منه فقط فهم طريقة عملها، لا تعنيفها بفداحة التصرف، فالمعاني التي تحكم وجود كل جزء من هذه الأجزاء عميقة لشدة ارتفاع ما تحكمه في سوق القيمة، لا تطالها يدي التبيين القصيرة، لذلك عُدَّ انتصار الإنسان على ذاته حرباً ضروساً لا نهائية الأمد، شديدة الاحتدام، رفيعة طراز الاستراتيجية، فأغمض عينيك لترى ما يحدث بداخلك!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفى الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش