الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

أبو الشعر يقدم قراءة نقدية في المجموعة القصصية «كائن مثقوب» لحليمة الدرباشي

تم نشره في السبت 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2019. 01:00 صباحاً

 عمان - نضال برقان
 بدعوة من منتدى البيت الثقافي العربي، قدم الناقد الدكتور أنور الشعر قراءة نقدية في المجموعة القصصية «كائن مثقوب» لحليمة الدرباشي، نهاية السبوع الماضي، وهي المجموعة التي صدرت حديثًا عن دار (الآن ناشرون وموزعون)، في أمسية أدارتها الأديبة ميرنا حتقوة.
وقال المحاضر: يتكون عنوان المجموعة من كلمتين: اسم فاعل «كائن» واسم مفعول «مثقوب». والكلمتان لا تشكلان جملة كاملة وهذا يمنح العنوان سمتيّ الغموض والتشويق. وكلمة «كائن» اسم مفرد نكرة، وتدل على كائن حي أو غير ذلك. وهذا مدعاة للتساؤل: من هو أو ما هو هذا الكائن الموسم بِـ»المثقوب»؟ وتشير كلمة «مثقوب» إلى وجود فتحة (ثقب) في هذا الكائن وقد يتسع الثقب وقد يضيق وقد يندمل، ولأن كلمة «مثقوب»اسم مفعول فإنها تكون وقع العمل (الثّقب)لها بفعل فاعل. وبالقراءة الفاحصة للقصة التي تحمل هذا العنوان نجد أنّ الثقب يبدأ من يدي بطل القصة ليطال كلّ شيء، وليصل إلى أنّ الكرة الأرضية صارت كلّها ثقبًا كبيرًا، وأن هذا الثقب هو النهاية التي تبدأ بها كلّ الأشياء، كما ورد في النّصّ. ولعلّي ألمح أن هذا الكائن المثقوب يمارس عملية الإسقاط، فلأنه «مثقوب» فهو يرى أن كلّ الأشخاص مثقوبون، وكلّ الأشياء مثقوبة.
ومن ثم قدم المحاضر قراءة في بعض قصص المجموعة، ومنها قصة «محض أسئلة» إذ تعبّر الكاتبة عن رؤيتها وهي أنّ الشّعب الفلسطيني لم يتخلّ يومًا عن أرضه السليبة، وناضل ولا يزال يناضل لاستعادتها بجميع السبل المتاحة. ولتعبر الكاتبة عن رؤيتها رسمت صورة لفلسطينيٍّ ناهز الثمانين من العمر وهو قابض على جمر القضية وحب الوطن. ففي بداية القصة تقدم الكاتبة شخصية نامية لشاب عشريني يمتلك بيدرًا في وطنه ويعيش فيه هادئ البال، بدلالة: «مستلقيًا على أرض البيدر في الظهيرة الرطبة». وبسبب النكبة التي حلت بفلسطين عام 1948، أمسى هذا الشاب لاجئًا في أحد مخيّمات الشّتات. وتقدم الكاتبة تطورًا لهذه الشّخصيّة (الشّاب) بسرد أبرز ما حدث معه في كلّ عقد من حياته التي امتدت إلى الثّمانين. ففي العقد الثّالث من عمره فقد وطنه وانضم إلى خليّة ماركسيّة، وأضحى مطاردًا من قبل الأنظمة العربيّة.وفي العقد الرابع ظلّ مطاردًا من قبل هذهالأنظمة، فغزا الشّيب رأسه باكرًا. وهذا يذكرنا ببيت عروة بن الورد الذي يقول فيه: «فما شاب رأسي من سنين تتابعت/ طوالٍ، ولكن شيّبتني الوقائعُ».
وأضاف المحاضر: وفي العقد الخامس (في الأربعين من عمره) فرّ من المشرق العربيّ ليدرس في إحدى جامعات المغرب العربيّ، ورافق ذلك قيام منظمة لتحرير فلسطين، لكنه رأى أنّ كلام هذه المنظمة مشوَّشًا ومشوِّشًا؛ يخلط بين مفاهيم الفتح، والتحرير، والشّجاعة، والحماسة، فشعر أنّ هذا الجسم السّياسيّ المشوَّش والمشوِّش لا يمكن أنّ يحرّر الأرض ويعيد اللاجئين إلى ديارهم، «كيف سيعيد الصّاعدين هابطين إلى حيث كانوا». وهنا وظفت الكاتبة الثنائية الضّدّية «الصّاعدين، للدلالة على اللّاجئين الفلسطينيّينوهابطين، للدّلالة عليهم وهم يعودون إلى ديارهم».
وفي العقد السادس (أي الخمسين من العمر)، حمل هذا الرجل عبء هزائم الجيوش العربيّة، واتجه للعمل في دول الخليج العربيّ (بلاد يرتدي رجالها ثيابًا بيضاء). واضطر لارتداء ملابس تلك البلاد، لكنه لم يستطع أنّ ينتمي إليها، إذ «كان يبصق كلّ يوم في وجه بئر تنضح سائلًا أسود كريه الرائحة (في إشارة إلى آبار النفط).
وفي العقد السابع عاد قسريًا إلى بلده، وكانت تعتصره ذكرى آلام المعتقلات وأقفاص الاتهام، والاعتقال الأخير وعودته القسرية للبلاد. وكان لا يزال صلبًا، يصادق ابنته ويتحدث لها عن الجيش الأحمر، والنجمة الخماسية، والشاكوش والمنجل (وليس كما ورد في القصّة ص 9: الشيخ والمنجل). وعندما صار سبعينيًا (العقد الثامن) كان لا يزال صلب الإرادة، يمسك يد ابنته ليصعد طريقًا جبليًا مؤديًا إلى المخيم.
وفي الثمانين (العقد التاسع) من العمر بدأ هذا الأب يتحسر على نظره الذي مضى، ثمّ قضى نحبه وحوله ثلّة من الرفاق والذّكريات.
والجدير بالذكر أنّ الكاتبة لم تذكر اسم هذا الرجل للدّلالة على أنّه رجل واحد من هذا الشّعب، وأن سيرة حياته تمثل سيرة حياة آلاف من أبناء جيله من شعبه.
كما رسمت الكاتبة صورة لابنة هذا المناضل، التي تأثرت بأبيها وأفكاره ومواقفه الوطنيّة والسياسية، فانضمت إلى خلية سرية لحزب أصبح مرخصًا لاحقًا، وكانت تقرأ روايات «غالب هلسا»، وأكملت دراستها الجامعيّة الأولى، لكنها كانت تكثر البكاء على أبيها الثمانينيّ، كلّ ليلة بصمت. وتحيلنا كلمة «بصمت» إلى ما جاء في الإهداء:»إلى أبي... الذي علمني كيف يكون الصمت لغة سرية... وطوق نجاة أخيرًا». وهذا يشي بعلاقة وثيقة بين شخصيّة هذه الابنة الثلاثينية التي تكثر البكاء على أبيها الثمانينيّ، كلّ ليلة بصمت وبين شخصيّة الكاتبة. ويمكن لي أن أستشفّ من ذلك أنّ الكاتبة حليمة الدرباشي تحكي في هذه القصة سيرتها مع والدها كفرد من أبناء شعب مهجّر  يناضل  دفاعًا عن حقه في تحرير أرضه والعودة إليها. أما بالنسبة لعنوان القصة فقد جاء غير مناسب للأحداث والشخصيات والسياق العام لها، فالعنوان هو «محض أسئلة»، لكن القصة تخلو تمامًا من الأسئلة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش