الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ديمقراطية تونس المتقدمة وهشاشة حزب الزعيم!

رمزي خوري

الخميس 10 تشرين الأول / أكتوبر 2019.
عدد المقالات: 6

أشاد المراقبون الدوليون والمحليون بنزاهة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بتونس، الدولة المتقدمة بأميال عن باقي أخواتها الزاحفات نحو الديمقراطية ببطء شديد. وبكل ميل من هذه الأميال الطويلة، بالطبع، تظهر التحليلات السياسية التي «تبرهن» للمواطن العربي لماذا لا تنطبق «الحالة التونسية» على الدول العربية الأخرى وكأنما هي الحالة «الشاذة»، متعللة بتفاصيل تونس «الخاصة» وكأنها رقعة ساقطة من الفضاء أتتنا مأهولة بكائنات فضائية عجيبة نتفاجأ بأنها تتكلم اللغة العربية بلهجة مغاربية، فقط لأنها هبطت في تلك المنطقة ولم تسقط وسط أوروبا مثلاً. لا بأس فللخاسر تبريراته ولكنني من باب الاحتياط سأبرهن لاحقاً بهذا المقال بأن الشعب التونسي عربي «قح» حتى وان كان متقدماً ديمقراطياً!
توقع العالم انتخابات تونيسية نزيهة هذا العام لأننا رأينا في الانتخابات الماضية التي جرت في 2012 - وبعد عام فقط على سقوط نظام بن علي - عملية ديمقراطية حقيقية بل وسليمة تنافس من خلالها كافة التيارات السياسية بقيادة التيارين المدني «التقدمي» والإسلامي «الوسطي.»
نجح التيار المدني حينها بقيادة الباجي قائد السبسي الذي كان لتوه قد أسس حزب نداء تونس. حكم هذا الحزب البلاد شراكة مع منافسيه وعدل القوانين ليعطي للرجل والمرأة المساواة بالحقوق والواجبات كما والعديد من الانجازات التي استدعت اعجاب العالم وغيرة الشعوب العربية الأخرى التي تحلم بدولة مدنية ديمقراطية تحقق العدالة الاجتماعية والمساواة بالمواطنة وسيادة القانون.
توفي السبسي، رحمة الله عليه، ف»فرط» حزب نداء تونس وتشرذم تياره ليظهر من رحمه أحزاب كان أقواها بهذه الانتخابات «حزب قلب تونس» بقيادة الاعلامي نبيل القروي الذي اتخذ شعاراً له «رأس الأسد.» بين اسم الحزب وشعاره لا بد للمرء أن يتصور اننا نتكلم عن «ريتشارد قلب الأسد» الذي يحظى باحترام في مخيلة الانجليز وباحتقار شديد بمخيلة العرب. لا بأس فقد لا تكون النية هذا التشبيه والأعمال أحياناً بالنيات!
لم يكن حزب نداء تونس شعبويا أو وطنياً راديكالياً - وبالدول الديمقراطية، الشعبوية الوطنية الراديكالية من سمات اليمين – ومع هذا علينا أن ننتظر لنرى ان كان هذا الحزب سيلتزم بمباديء حزبه الأم في السياسة والعمل العام أم سينافس خصمه السياسي الأول حزب النهضة من شعبوية اليمين!
هذه الشرذمة التي أصابت التيار أدت لنتيجتين سلبيتين للتيار المدني: أولاً لم يخرج الشعب التونسي بقوة لينتخب بسبب الإحباط الذي نتج عن الانقسام وأيضاً بسبب موت «الزعيم» الذي «لا يمكن لأحد أن يخلفه» وثانياً أدت الانتخابات الأولية للرئاسة بنجاح رجل مستقل محافظ مدعوم من حزب النهضة الاسلامي مع إنه لا ينتمي اليهم رسمياً - قيس سعيد - وحصل حزب النهضة على أكثر المقاعد في البرلمان وكسب الحق بتشكيل الحكومة مع أقربائه وأصدقائه من أحزاب ومستقلين رامياً التقدميين في مقاعد المعارضة. لا بأس فهذه هي الديمقراطية وللمعارضة بالدول الديمقراطية دور أساسي بما في ذلك الوقوف بالمرصاد بوجه أي سياسات أو قرارات سلبية للحكومة.
لا نعرف بعد اذا كان سيحصد نبيل القروي القابع بالسجن بتهمة تبييض الأموال أغلبية بالجولة الانتخابية الرئاسية الثانية يوم الأحد القادم أم سيفقد تياره مقعد الرئاسة كما فقد فرصة المشاركة بالحكومة بعدما فقد الأغلبية بالبرلمان وبعد أن وعد بالانتخابات أن لا يضع يده بيد النهضة بأي حال من الأحوال. طلب القروي الافراج عنه ليتسنى له التوجه للمحافظات أو تأجيل الانتخابات لبعد البث بقضيته وأعلن منافسه الفائز بالجولة الأولى - قيس سعيد - بتجميد حملته الانتخابية احتراما للقروي. هذا الموقف يستحق الثناء لأنه فضل العملية الديمقراطية على فرصة اعلان خصمه فاسداً واستغلال غيابه القسري لحصد عدد أكبر من الأصوات.
لماذا لم يسقط الشعب التونسي من الفضاء؟ لأنه عربي بكل ما تحمل الصفة من معاني. فها هو حزبه الأقوى يسقط مدوياً حال وفاة زعيمه الأوحد.  بدل الاتحاد من أجل النجاح فضل «زعماء» اليسار والقومية والمدنية الانقسام وتشتيت الأصوات. (لم يتعلم العرب بعد العمل الجماعي حتى بداخل الحزب الواحد) بل وتوقع كل منهم أن يحصد الأصوات وحيداً فمن من الآخرين من هو أذكى وأجمل وأكثر قدرة على إدارة البلاد؟ (مرض الأنا منتشر بكثرة وأسباب النرجسية معقدة ومركبة يمكن اختصارها بفشل التربية والتعليم للسهولة) وبينما حصل مرشح الرئاسة قيس سعيد المقرب من الاسلاميين 18.4 % من الأصوات حصد القابع بالسجن بتهمة اقتصادية على 15.58 % مما يعني بأن مريديه أو مريدي برنامجه لا يصدقوا التهمة بل يعتبروها مؤامرة تهدف لاسقاطه. (عقدة المؤامرة منتشرة بين العرب بما في ذلك الشك بنزاهة القضاء وترجيح قوة «القرار السياسي» على سيادة القانون.) أخيراً: الحاصل على أعلى الأصوات بالجولة الرئاسية الأولى لا ينتمي لحزب وليس له باع بالسياسة ولا برامج ولا حتى برهان على وجود رؤية ستحقق الانجاز وقد يكون هو الذي سقط من المريخ وبالتأكيد ليس الشعب. (ما زال العرب بانتظار أبو زيد الهلالي - الذي لم ينتمِ لحزب سياسي انتخبه قائداً - ليأتي ويخلصهم من أوضاعهم غير السارة.)
اذاً الشعب التونسي عربي بامتياز كما هو ديمقراطي بامتياز. أخبار غير سارة للذين يدعون أن العرب، بقدراتهم المحدودة، غير جاهزين للديمقراطية!

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش