الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الإعلام والمجتمع

الدكتور محمد عبد العزيز ربيع

الاثنين 23 أيلول / سبتمبر 2019.
عدد المقالات: 9

جاء تطور العمليات المجتمعية التي تقوم بإدارة مختلف شؤون الحياة في المجتمع بشكل تلقائي تتابعي حتَّمَته حاجات المجتمعات الإنسانية المتغيرة والمتزايدة عبر العصور. أما العمليات المعنية فهي: العملية الاجتماعية الثقافية، والعملية السياسية، والعملية الاقتصادية، والعملية الإعلاماتية التي تضم نظم الإعلام والمعلومات بما في ذلك وسائل التواصل الاجتماعي. وفي ضوء تتابع ظهور العمليات هذه، فإن مجال عمل كل عملية يختلف عن مجال عمل العمليات الأخرى؛ لكن أدوار تلك العمليات تتداخل وتتكامل مع بعضها البعض. فعلى سبيل المثال، فيما انحصر نفوذ العملية الاجتماعية الثقافية ضمن حدود مجتمع واحد، فإن مجال عمل ونفوذ العملية السياسية اتسع ليشمل الأراضي والشعوب التي سيطرت عليها الدولة، ما جعلها تلعب دوراً إقليمياً وليس وطنيا فقط. أما العملية الاقتصادية فقد امتد مجال عملها ونفوذها ليشمل الحياة الاقتصادية وبعض أوجه الحياة الأخرى لمعظم دول العالم، فيما جاء مجال عمل ونفوذ العملية الإعلاماتية ليشمل كافة أوجه الحياة لكافة شعوب الأرض أفراداً وجماعات ومنظمات وثقافات وحكومات.
ولقد تسبب هذا بدوره في تمكين العملية الأكثر نفوذا في المجتمع من استقطاب أفضل العقول والمواهب المتاحة للعمل في خدمتها ومساعدتها على تحقيق أهدافها. فالعملية الاجتماعية الثقافية سخرت أفضل العقول المتاحة محلياً للعمل في خدمة الدين والمؤسسة الدينية في نشر دعوتها وأفكارها، فيما قامت العملية السياسية بتوظيف أفضل العقول والمواهب المتاحة في قيادة الجيوش وإدارة شؤون البلاد وجمع الضرائب من الناس. وحين تبلورت العملية الاقتصادية في أوائل عصر الصناعة، وجدت نفسها بحاجة لجذب أفضل العقول والمواهب المتاحة في البلاد التي تنشط فيها وتسخيرهم لتطوير تكنولوجيا الإنتاج، وإدارة الأموال والمشاريع الاستثمارية، والقيام بدور الوسيط بين القوى الاستعمارية والشعوب المُسْتعمَرة. وبعد تبلور العملية الإعلاماتية واستحواذها على الدور الأهم في حياة المجتمعات الإنسانية، فإنها وجدت نفسها بحاجة لاستقطاب أفضل العقول والمواهب المتاحة عالمياً وتوظيفها في عمليات تطوير تكنولوجيا الاتصالات وصناعة المعلومات وتسويقها، وإعداد البرامج التعليمية والترفيهية والدعائية.
وفي ضوء ما لمؤسسات الإعلام والتواصل الاجتماعي من دور في رصد الخبر وصياغته وتحليله ونقده وتعميمه بين الناس، فإن العملية هذه أصبحت الأداة الأقدر على تشكيل وإعادة تشكيل ثقافات الشعوب ومواقفهم، وتطوير طرق التفكير الفردية والجماعية، والتأثير في أنماط الاستهلاك والسلوكيات والعلاقات الاجتماعية. ومن خلال التركيز على قضية دون غيرها لأسابيع متتالية، فإن العملية الإعلامية أصبح بإمكانها تشكيل الرأي العام وإعادة تشكيله باستمرار، وبالتالي التلاعب في مشاعر البسطاء وتزييف وعيهم، ودفعهم نحو التعاطف مع قضايا معينة دون سواها، والقبول بسياسات قد لا تسعى بالضرورة لخدمة مصالحهم. وفي ضوء قدرة العملية الإعلاماتية على الوصول إلى كافة الناس في كل ساعات الليل والنهار بغض النظر عن أماكن تواجدهم، فقد أصبح بإمكانها الاستيلاء على الدور التقليدي للحزب السياسي، وإجبار الساسة والمرشحين للانتخابات على المرور عبر قنواتها ودفع مبالغ باهظة مقابل ذلك، والتنازل أحيانا عن الكثير أو القليل من مبادئهم لصالح المهيمنين على ملكية وإدارة القنوات الإعلاماتية.
من ناحية أخرى، استطاع الإعلام، بفضل قدرته على الوصول إلى كافة قطاعات الشعب، في كافة بقاع الأرض أن يجعل حفنة من الرجال والنساء نجوماً عالميين ووجوها مألوفة لدى مختلف الشعوب، تتمتع بقدر كبير أو جيد من المصداقية تتجاوز غالبا ما يتمتع به السياسيون في معظم البلاد. وهذا تسبب في جعل مستقبلي الرسالة الإعلامية يتحولون إلى أدوات طيعة في يد صانعي الرسالة الإعلاماتية من رجال ونساء وشركات تجارية ومؤسسات رسمية؛ الأمر الذي سمح لهؤلاء بالتلاعب في مشاعر الجماهير وتشكيل مواقفها بشكل يجعلها أكثر تجاوباً مع أهواء المهيمنين على العملية الإعلاماتية الكونية ومؤسساتها. وبسبب ما لدى شركات الإعلام من إمكانات مادية وبشرية وتكنولوجية متطورة وأقمار صناعية، فإن غالبية شعوب الأرض، وفي مقدمتها بعض شعوب الأمة العربية التي يغلب عليها الجهل والفقر والاتكالية، غدت ضحية لنزوات وتفاهات وأكاذيب وإغراءات وخداع الإعلام الغربي والعربي على السواء.
ومما ينبئ بأن الأمور تسير من السيئ إلى الأسوأ أن مؤسسات الإعلام العربية غير الرسمية، خاصة محطات التلفزيون التي تبث عبر الأقمار الصناعية أصبحت مملوكة من قبل مستثمرين بعضهم فاسد وجاهل، وغالبيتهم غير معنية بأية قضية عادلة أو أخلاقية أو إنسانية، لأن قضيتهم الوحيدة هي الربح، ولا شيء غير الربح المادي المجرد من القيم. أما بعض مؤسسات الاعلام الرسمية، فلا تزال تعاني التخلف تحت وطأة قوى تجهيل دينية وتزييف سياسية تُسخرها لخدمة أهداف خاصة تخدم النخبة. ومن اجل تحقيق أهدافها وحماية مصالحها النخبوية، فإن تلك القوى تقوم اليوم بتوجيه العملية الإعلاماتية إلى اجترار الماضي وتكريس ما يشتمل عليه التراث من خرافات وحكم تجاوزها الزمن منذ زمن بعيد، فيما تقوم بحرمان الفكر العلمي والعقلاني من الوصول إلى الجماهير من خلال القنوات الإعلامية. وهذا يعني أنه لا يمكن لأحد أن يسهم في صنع التاريخ إلا من خلال المرور من قنوات العمليات المجتمعية عامة والعملية الإعلاماتية خاصة، وأن قدرة الفئات المختلفة على التأثير في حركة التاريخ تعتمد على وعيها لأهمية العمليات هذه وطرق عملها وركوب موجاتها، والتأثير في مسارها  لخدمة قضاياها والاستفادة من إمكاناتها. 
من ناحية ثانية، تسببت مسيرة التطور العلمية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية عبر الزمن في تحويل كل عملية مجتمعية إلى معاهد ومؤسسات متخصصة تقوم بإنتاج كل ما تُنتجه البشرية من أفكار وعلوم وبضائع ومعلومات وخدمات وتقاليد وطرق تفكير. وهذا جعل من غير الممكن أن ينتج إنسان، مهما أوتي من علم وذكاء وفطنة أعمالا خلاقة ذات شأن من دون ان يكون جزءا من مؤسسة تعمل في مجال تخصصه، ربما باستثاء عمالقة الفكر والفلسفة والفن والشعر الذين أصبحوا يعيشون في جاتووات ثقافية ضمن مجتمعات ترى العبقرية في جمع المال وتكديسه بغض النظر عما إذا كانت أساليب العمل أخلاقية أم غير أخلاقية، قانونية أم غير قانونية.
وباختصار، لم يعد بإمكان مفكر أو عالم أو قائد سياسي أو رجل دين أن ينشط ويغدو معروفاً ومؤثراً في محيطه إذا تعذر عليه إيجاد مؤسسة ترعاه وتقوم باستضافته، ولديها القدرة على دعمه وإيصال رسالته للجمهور المعني بها. كما أنه لم يعد بإمكان شخص أن يوصل ما لديه من معارف علمية وأفكار للشعوب من دون أن تتيح له قنوات الإعلام الفرصة لنشر ما لديه من آراء وحقائق على الملأ. وتبعاً لذلك، لم يعد صنع التاريخ في متناول يد أفراد مهما عظمت مواهبهم، ولا من اختصاص دول مهما ملكت من عناصر القوة العسكرية والاقتصادية، بل أصبح التاريخ نتاجاً لفعل عمليات مجتمعية ذات طبيعة ديناميكية لا تخضع لسيطرة شخص أو دولة. وهذا يجعل التقدم والتخلف في هذا العصر نتاجاً لفعل العمليات المجتمعية، ويجعل تحقيق الأهداف الفئوية والوطنية مرتبطا بالقدرة على تحديد مسارات تلك العمليات والتأثير فيها، والقيام في الوقت نفسه باحداث التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية المطلوبة للتجاوب مع استحقاقاتها.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش