الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

الأخلاق في الطب

تم نشره في الجمعة 20 أيلول / سبتمبر 2019. 01:00 صباحاً

د.أحمد الريسوني
إذا كانت مجالات الحياة كلُّها تحتاج إلى الأخلاق، وتستقيم وترتقي بالأخلاق، فإن العمل الطبي هو في أصله وجوهره عمل أخلاقي، ولا تقوم له قائمة إلا بالأخلاق. وإذا كان علماء الشرع يقولون: «الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين»، فعلى علماء الطب أن يقولوا لبعضهم: «الطب كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الطب». وإذا كان مقام الطبيب ومكانته يتحققان ويقدران بحسب ما له من علم وخبرة وتجربة ومهارة، فإن النجاح الفعلي في ذلك كله يتوقف على مقدار ما له من محاسن الأخلاق؛ من رأفة ورحمة وشفقة، ومن رقة ورفق ولين، ومن صبر وأناة وتواضع.
مقاصد الشرع ومقاصد الطب
من المعلوم أن مقاصد الشرع مدارها على حفظ الضروريات الخمس؛ وهي الدين والنفس والنسل والعقل والمال.
ولو أردنا أن نتحدث عن مقاصد الطب لوجدنا أنها لا تخرج عن حفظ النفس والنسل والعقل. فهي تشترك مع مقاصد الشرع في ثلاثة من خمسة.. ثم نجد أن حفظ هذه الضروريات الثلاث المشتركة يساعد على حفظ الدين والمال. وعلى هذا فمقاصد الطب مندرجة في مقاصد الشرع متلاحمة معها إلى حد كبير. ومعلوم أن حفظ النفوس – سواء في الشرع أو في الطب – لا يقف عند الحفظ المادي، بل يشمل الحفظ المعنوي، بما يعنيه من سلامة وصحة وتوازن في الحالة النفسية. ثم يتقدم الشرع -فينفرد أو يكاد – بحفظه للصحة والعافية الروحية للإنسان. ولذلك نجد علماءنا يقررون أن «الشرع هو الطبيب الأعظم». المهم أن مقاصد الشرع ومقاصد الطب تلتقي في أن الموضوع هو الإنسان، وأن الغرض هو الصحة البدنية والنفسية والعقلية للإنسان، وأن الغاية هي سعادة الإنسان. رسالة الطب هي نشر الشفاء والرحمة، ورسالة الدين هي نشر الشفاء الأوسع والرحمة الأعم. {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء : 82]. فالشفاء والرحمة مقصدان مشتركان بين الرسالتين الطبية والشرعية، وإن تفاوتت الساحة والمساحة بينهما .
ولعلماء الشريعة تعبير آخر يختصر مقاصد الشريعة وضرورياتها في كلمتين جامعتين هما: حفظ الأديان، وحفظ الأبدان. فمصالح الخلق مدارها على حفظ الأديان وحفظ الأبدان. وأساس السعادتين (الدنيوية والأخروية) حفظ الأديان وحفظ الأبدان. وعمدة الثقافات والحضارات حفظ الأديان وحفظ الأبدان. وأساس كل تنمية وترقية حفظ الأديان وحفظ الأبدان.
وعادة ما يتوقف المفسرون للتنبيه على المغزى فيما تضمنه  قوله تعالى {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر : 13]، حيث تم الجمع والربط بين آيات الله ومعجزاته الدالة عليه وعلى رسله من جهة، وبين الامتنان بإنزال الرزق من السماء من جهة أخرى. وسر ذلك عندهم هو أن هذين الأمرين يشكلان جماعَ مقاصد الشرائع؛ فأحدهما فيه حفظ الأديان، والآخر فيه حفظ  الأرزاق والأبدان.
قال الفخر الرازي: «واعلم أن أهم المهمات رعايةُ مصالح الأديان ومصالح الأبدان، فهو سبحانه وتعالى راعى مصالح أديان العباد بإظهار البينات والآيات، وراعى مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء. فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان. فالآيات لحياة الأديان، والأرزاق لحياة الأبدان. وعند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات وأكمل الجهات»
ونقرأ في تفسير القرطبي قوله: «قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ} أي دلائل توحيده وقدرته، {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً} جمع بين إظهار الآيات وإنزال الرزق؛ لأن بالآيات قوامَ الأديان، وبالرزق قوام الأبدان».
وقد استقر في الثقافة الدينية – الإسلاميةِ وغيرِها – أن العلوم كلها تتمحور حول حفظ الأديان وحفظ الأبدان، مع العلم أن جزءا كبيرا من الأديان مخصص مباشرة لحفظ الأبدان
 ويروى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد «كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا. فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا}. فقال النصراني : ولا يؤْثَر عن رسولكم شيء من الطب، فقال علي : جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: ما هي؟ قال: «المعدة بيت الأدواء والحِمْية رأس كل دواء، وأعط كل جسد ما عودته» . فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا»
ومن القواعد المعروفة في الفقه ومقاصد الشريعة، قاعدة «تقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة». وفي تطبيقات هذه القاعدة نجد الاقتران والمقارنة بين حفظ مقاصد الطب وحفظ مقاصد الشرع، أو بين حفظ الأبدان وحفظ الأديان، حيث يقرر الفقهاء وجوب الحجر على الفقيه الماجن، وعلى الطبيب الجاهل، لكون الأول يفسد الأديان، والثاني يفسد الأبدان.  ولذلك قيل: «يُفسد الأديانَ نصفُ متفقه، ويفسد الأبدانَ نصفُ متطبب»
والذي أراه أن الطبيب الذي لا خَلاق له، مهما كان علمه بالطب ودرجته فيه، يكون أشد خطرا وضررا على الناس من الطبيب الجاهل. وإذا كان الطبيب الجاهل يحجر عليه، فإن الطبيب الفاسد ينبغي ان ينكل به.
ولكي ندخل أكثر في المقاصد الخلقية للشريعة، وخاصة منها ما هو أكثر التصاقا بالعمل الطبي وأبلغ أثرا فيه، أتناول في الصفحات الآتية أصلين كبيرين من أصول الأخلاق الإسلامية، وهما: – – خُلُق التقوى وخُلُق الرحمة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش