الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

معروف الرصافي والحداثة المبيتة النية

تم نشره في الجمعة 20 أيلول / سبتمبر 2019. 01:00 صباحاً

د. نادية هناوي/ العراق
إذا عددنا حداثة الرصافي الشعرية حداثة صادمة بحسب أدونيس وأنه ظل مربوط الأصول بالعمود، فما بالنا من حداثته الفكرية في كتابه (الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس) هل هي كانت حداثة واهمة؛ لأنها لم تخلص للمنهج العقلي الذي به تتمنطق المقاصد والأغراض تماشيا مع الادعاء بالسعي نحو الحقيقة؟ وهل خضع نقد الرصافي للإسلام والشخصية المحمدية لمرأى استشراقي أم أنه كان من باب الدحض والتشكيك والتسفيه ليس إلا؟ وما منطلقات شكوكه وموجبات البرهنة والاحتجاج لديه؟
إن حداثة الرصافي الفكرية جاءت رفضا صريحا للانغلاق على الهوية مع رغبة أكيدة في التنكر لكل ما هو تراثي، أو بدرجة أخف إعادة إنتاج الماضي بمنظار الحاضر انفتاحا على التحضر وتدعيما لمسارات التحرر.
ولقد جسّد الرصافي في هذا المصنف تأثره بالفلسفة العقلية الديكارتية، معليا من شأن الوافد الفلسفي وحاطا من قيمة التراث السيري منبهرا بالمعارف الغربية. ولقد أنجز الرصافي تأليف الكتاب عام 1933 في الفلوجة بالعراق وطبع بعد وفاته بستة عقود من نسخة عن الأصل محفوظة في إحدى مكتبات جامعة هارفارد.
 وما يهمنا من الكتاب مقدمته التي فيها أعلن الرصافي سعيه نحو الحقيقة المطلقة. ولو كان الرصافي ظافرا بالحقيقة لما خشي من إخراج كتابه في حياته بعد أن توقع سخط الناس عليه وأنهم سيعلنون إلحاده وارتداده. وإذا كانت الحقيقة شكلا آخر للحداثة الفكرية والتحرر الذاتي؛ فإن حرية الفكر لا تعني أبدا التجاوز على الثوابت وانتهاك المحظورات.
والتاريخ بالنسبة للرصافي بلا حقائق وأنه زيف لا قيمة له ولا وزن ولا حساب، وهو( بيت الكذب ومناخ الضلال ومتجشم أهواء الناس إذا نظرتُ فيه كنتُ كأني منه في كثبان من رمال الاباطيل فقد تغلغلت في ذرات ضئيلة من شذور الحقيقة ) فهل التاريخ كله وقائع مزيفة أو أباطيل ملفقة؟ أم أن اعتماد مناهج البحث العلمي هي وحدها الكفيلة بغربلة تلك الوقائع وكشف صحيحها من عدمه؟!!علما أنه وهو يسفِّه بعض مرويات التاريخ لا يلبث أن يستشهد بهذه المرويات أو يحتج بها. وهذا انكفاء ومغالبة أو مغالطة لا تمت للعلم بأية صلة.
إن ما نزع إليه الرصافي في كتابه هذا من الجرأة في الانتهاك والتخطي والتجاوز إنما هو نتاج وهم الحداثة في إدعاء المعرفة بالآيات القرآنية والأحاديث الشريفة مع تفنن واه في تأويلها واعتقاد خادع بانتهاج العقل وإتباع التفكر العلمي.وهو ما ولَّد في الرصافي تعملقا ذاتيا سوّغ له أن يخالف العام والسائد متغافلا عن التجريب والملاحظة، متوهما أنه باحث فريد ومؤرخ ضليع بالتاريخ الإسلامي وفيلسوف عرف كنه الفلسفة وهضم بنودها واشتراطاتها، قافزا على الثوابت مبيتا النية بالتحامل، شاعرا أنه غير مؤهل لهذا العمل قائلا:» ..أنا اليوم عند كتابة هذا الكتاب في منزل من الفلوجة منقطع عن وسائل البحث والتنقيب ليس لدى من الكتب ما أرجع إليه فليعذرني القارئ ..» الكتاب، ص20.
ولعل صدمة الحداثة الشعرية أقل خطورة وأذى من هول الحداثة الفلسفية كون الأخيرة فندت أكثر مما أثبتت وتمادت أكثر مما تحفظت وسفهت أكثر مما وكدت، وفيها الرصافي قارئ يؤول باسلبة مفروغة الوفاض من منهجيات النقد وآلياته.
وإذا كانت نزعة الشك الديكارتية قد غلبت عليه، وصفة التعقلن والعلمنة قد تلبسته، فلماذا إذن لم يطبقها أول الأمر على الشعر العربي ويناقشه تاريخيا في قدمه ومروياته وقائليه ونقاده ومدارسه ؟
 ومعلوم أن الدكتور طه حسين كان قد خاض غمار التشكيك في الشعر الجاهلي فكتب وناقش ونشر ثم لما تبين له خطأ بعض ادعاءاته عاد أدراجه نافضا عنه التشكيك متراجعا عن بعض الفرضيات لكن الرصافي أصرَّ على آرائه وهو العارف أن النتيجة ستكون قاسية وأنه سيلقى أسوأ الجزاء لكونه قد تمادى وغالى، ( وإني لأعلم أنهم سيغضبون ويصخبون ويسبون ويشتمون فإن كنت في قيد الحياة فسيؤذيني ذلك منهم ولكني سأحتمل الأذى في سبيل الحقيقة ..وإن كنت ميتا فلا ينال من سبابهم خير كما لا ينالهم منه خير فان سب المميت لا يؤذي الحي ولا يضر الميت) ولقد سعى الرصافي إلى الإقناع أكثر من سعيه إلى الحقيقة بدليل أنه حوّل بعض الأدلة النقلية من القرآن الكريم أو السنة النبوية إلى أدوات يوظفها لصالح أفكاره من دون أن يتعامل مع هذه الأدلة تعاملا علميا يقوم على جهد عميق في التنقيب في التفاسير وفحص دقيق في الأسانيد والمرويات فعن قوله تعالى( أنَّ الله لا يغفر أنْ يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قال:» أنه في الحقيقة ليس ذلك لأن الشرك بالله لا يضر الله شيئا كما أنه لا يضر الناس مضرة مادية..ولو كان الشرك بالله يضر الناس مضرة مادية لهلك اليوم أهل العراق..»الكتاب، ص21.
ثم يعمم الماضي على الحاضر بتطرف باد ليجد» أن الوثنية التي حاربها محمد بسيفه وقرآنه قد عادت بجميع طواغيتها في العراق على شكل أشنع وأفظع مما كانت عليه في الجاهلية» الكتاب، ص21.
وكثيرا ما يتكئ على مقولات بعض الفلاسفة المسلمين والمتصوفين ومنها مقولة( لا موجود إلا الله) ليجد أن مقولة الحلاج( أنا الحق) صادقة وأن فكرة الحلول والاتحاد باطلة.
 وإذا ما استوقفه أمر وتساءل عنه مثل» هل وصل محمد إلى هذه المرتبة العليا بالتفكير أو تلقاها عن غيره بالتلقين؟نجده يرجئ الإجابة عنه، وعذره أن لا مصادر عنده تكفي فكيف يكون مراده الحقيقة وهو بلا أدوات لازمة للظفر بها ؟!!
ودفعه تذبذبه الفكري إلى التحامل والتحايل والمغالاة ومن ذلك ادعاءاته أن الرسول» قرن اسمه باسم الله ولم يجعل الإيمان شهادة واحدة بل شهادتين لا اله إلا الله محمد رسول الله مع أن الدعوة التي قام بها كانت إلى عبادة الله وحده لا شريك له» الكتاب، ص28 « وأنه اتخذ الجنة والشهادة كأدوات في سبيل إثبات القوة حتى» تفنن بآياته القرآنية ما شاء الخيال أن يتفنن» الكتاب، ص22، فلماذا غالى الرصافي في التشكيك؟! ولمَ هو متحامل مسبقا على الرسالة السماوية؟!!
إن التباهي بالحداثة وعدم الاكتراث للعواقب سيان عند الرصافي وهذا ما وسم فكره بالوهم والتجني مدعيا أن الغاية من الدعوة إلى الله أو من النبوة ليست دينية محضة أو قوله:» ولكنه بعد الهجرة إلى المدينة حصلت له تلك القوة فصار يدعوهم وفي إحدى يديه القرآن وفي الأخرى السيف فلا يرعى لهم إلا ولا ذمة ولا يقبل منهم عذرا ولا جزية إلا الإسلام» وأنه فيما بعد قبل الجزية من غير العرب من أهل الكتاب والمجوس الكتاب، ص22.
ولأن الإقناع بغيته لا الحقيقة لذلك يضع القارئ في باله دوما مكثرا من أسلوب الخطاب والمناظرة والاستدراك بأسئلة يفترضها مطروحة أمامه من قبل قارئه.
وهذه الآلية في التفكير والتحليل اعتمدها ادونيس أيضا في كتاباته مهتما بالشعراء المفكرين ومنشغلا بثنائية هدم الماضي لبناء الحاضر، معيدا أفكارا كان قد أشاعها بعض المستشرقين المتعصبين حول المجتمع العربي، بيد أن ادونيستميز ببعض الاعتدال لأنه وظف العقل والحس معا، وإذ تنفلت حرية الفكر وتتصاعد وهمية التحديث عند الرصافي؛ فإنها تنضبط عند ادونيس فلا ادعاء بلا اعتقاد ولا تحصيل من دون بحث..
بذلك يمسي الرصافي شاعرا أغرته الحداثة فوقع في محظوراتها وما من ضمان لذلك بتاتاً، ما دامت الحرية ليست انعتاقا ولا هي انفلات حد التجني كما أنها ليست انبهارا إلى درجة التطرف؛ بل هي حوارية تستلهم المنطق وتوظف العقل في مدارات من التفكير ذات بؤر يخصِّب بعضها بعضا برؤى قد تبتعد عن التنميط وقد تدنو من التجديد ادراكاً ووعياً. 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش