الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

رؤية في كتاب «الكاتبون بالضوء..» لكايد هاشم

تم نشره في الجمعة 20 أيلول / سبتمبر 2019. 01:00 صباحاً

ذيب ماجد غنما
كم كانت سعادتي كبيرة بصدور كتاب الأخ والصديق كايد هاشم «الكاتبون بالضوء: رسوم قلمية ومطالعات» ومصدر سعادتي هذه يعود لأمرين: أولهما معرفتي بشغف الأستاذ كايد بالبحث والتوثيق في التاريخ الأدبي والثقافي والإبداعي في الأردن وإسهاماته في الحركة الأدبية العربية من خلال دراسته والتعريف بمبدعيها، خاصة من الرعيل الأول الذين حملوا وبكل أمانة وتفان مسؤولية النهضة الفكرية والأدبية على مدى العقود المنصرمة ومنذ نشأت الدولة الأردنية.
والأمر الآخر هو ما عرفته بالأستاذ كايد عن قرب، الا وهو أمانته في نقل المعلومة وصدقه وسمو أخلاقه مما يجعلني أرى فيه  باحثا ودارسا مؤتمنا على تاريخ بلاده حريصا على وضع الأمور في مكانها الصحيح متسلحا بحب الأرض والإنسان، وها هي» رسومه القلمية « المتنوعة والغنية تلقي بالضوء على تجارب وجهود عظيمة قدمها نخبة من الرواد الاوائل.
والأستاذ كايد بكتابه هذا انما يواصل رحلته الثقافية مع كتب التراجم والأعلام التي بدأها مبكرا في العام 1984 وذلك بإصداره كتابه الأول  «من بناة النهضة الأردنية» ثم اتبعه بعدد من المؤلفات منها «قاموس المؤلفين الأردنيين» و»أدب السيرة والرحلات في الأردن» و «اطلال جرش» و»المذكرات والرحلات للشيخ ابراهيم القطان – اعداد وتحقيق بالاشتراك مع الأستاذ الدكتور صلاح جرار « بالإضافة الى « ذكريات حياتي لعيسى الناعوري» ويعقوب العودات البدوي الملثم»وكتابه  الذي صدر موخرا «نوافذ مشرقية من التاريخ والرحلات» وغيرها من الكتب والدراسات والمطالعات التي تؤرخ لرواد الثقافة والأدب والفكر.
وفي كتابه الجديد هذا «الكاتبون بالضوء» يأخذنا المؤلف معه في رحلة ممتعة شيقة عبر مجموعة من الدراسات والمقالات والمطالعات التي نشرت بين الأعوام 2007-2018 في بعض المجلات الأردنية او في الملاحق الثقافية لصحيفتي الرأي والدستور وغيرها متحدثا عن أعلام في الثقافة والفكر والإبداع من الأردن وفلسطين وعدد من الدول العربية لهم أدوارهم ومواقفهم المرتبطة بعصرهم وتداعياته كما يقول المؤلف وهم « كاتبون بالضوء تنوعت تجاربهم وجهودهم التنويرية في اطار تفاعلهم الإيجابي مع الضمير الجمعي العربي لتعبر عن الإنسان الحي في المشرق والمغرب العربييين بهمومه وآماله والآمه وجراحه».
وها هو الأستاذ كايد في «الكاتبون بالضوء» يؤرخ لهؤلاء الأعلام بروح من المحبة وكثير من الإعجاب ممتلكا قدرة فنية وريشة فنان يرسم بها صوره القلمية المتميزة، ويبدو واضحا مما يكتبه عن هؤلاء الأعلام مقدار وفائه الكبير لذكرى الراحلين منهم والأحياء أيضا، وهي كما ذكرنا سابقا صفة محببة يمتاز بها الأستاذ كايد هاشم في علاقاته بالآخرين وبكل ما يصدر عنه من أقوال وكتابات.
وأجدني متفقا مع ما ذكره  الأستاذ محمد سلام جميعان، والذي قام بالتقديم لهذا الكتاب مشيدا بجهود الاستاذ هاشم الذي « نذر كثيرا من وقته وجهده في استقصاء جوانب من حياة الأدباء،تتجاوزالإلمامة العابرة الى حيث الإنصاف والدقة في الاستقراء والاستقصاء والإفاضة حيث يجب أن تكون».
وللحقيقة فإن القاريء لفصول هذا الكتاب الممتعة والشيقة، سيجد نفسه  أمام تجارب إنسانية أردنية وعربية ترفع لها القبعة فها هم شباب الأردن وفلسطين ودول عربية أخرى يتسلحون ومنذ بدايات العقد العشرين بالخبرة والدراية والعلم ويبادرون بروح خلاقة للحفاظ على لغتهم الأم وثقافتهم فيعيشون تجاربهم في الحياة بكل إصرار وعزيمة وإبداع بالرغم من ضنك العيش وضغوط الحياة بوجود العثماني المتعصب مع نهايات خلافته وكذلك الإنتداب البريطاني ومن ثم الإحتلال الصهيوني البغيض وماكنته الصهيونية العنصرية المجرمة.
كثيرون منا، قراء «كاتبون بالضوء» ستاخذهم الذاكرة لبرنامج «قول على قول» لصاحبه الموسوعيوالإعلامي الكبيرحسن سعيد الكرمي والذي كان يبث من خلال القسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية وعلى مدار أكثر من ثلاثين عاما ولغاية العام 1989 حيث عاد الكرمي الى عمان وكتب مذكراته وتوفي ودفن فيها في العام 2007.
لقد كان لهذا البرنامج ملايين المستمعين والمعجبين على مساحة الوطن العربي، وإن كان لهذا البرنامج الإعلامي المميز نصيبه من الشهرة  التي استحقها، الا ان المؤلف قد أخذنا  أيضا الى عالم اللغة والادب عند الكرمي وثقافته الأصيلة المتعمقة الممزوجة بعشق نادر للغة العربية والشعر فحدثنا عن مؤلفاته وتراجمه وآرائه في اللغة وتطورهاوالتي من أهمها  «اللغة نشأتها وتطورها في الفكر والاستعمال» كما قام بترجمة عدد من الكتب القيمة من الإنجليزية وتأليف عدد آخر من الكتب باللغة العربية بالإضافة الى مشروعه المعجمي الهام والكبير مبتدءا بقاموس المنار الثنائي «إنجليزي- عربي» ثم سلسلة معاجم المغني الثنائية: ألأكبر والكبير و»المغني زائد» المغني الفريد « والوسيط والوجيز، لقد كان لهذا المعلم والناقد والإعلامي دوره الواضح ومساهماته الجليلة في خدمة اللغة العربية وابقائها حاضرة في ذهن الأجيال وافئدتهم.
وإن كنا قد سمعنا جميعا بالعلامة الكرمي فإن هناك من الأدباء والمبدعين الأردنيين الذين هاجروا الوطن مبكرا مرتحلين الى بلاد المهجر حيث طالهم النسيان وغابوا في الظلال حتى جاء من يضيء جانبا من حياتهم وآثارهم ومنهم الأديب الأردني عقيل أبو الشعر، فجاء الفصل الثاني من «كاتبون في الضوء» ليتحدث عن هذا الأديب الأردني المهاجر الذي ولد في بلدة الحصن التي أنجبت الأديب الكبير أديب عباسي، وقد ارتحل أبو الشعر الى الغرب وحيدا نتيجة الأوضاع المعيشية المتردية والظلم والاستبداد في أواخر العهد العثماني في رحلة دارت رحاها بين بلدة الحصن وسانتو دومينغو عاصمة جمهورية الدومينكان، وفيها أصبح وزيرا للخارجية ثم مرورا بمرسيليا وباريس والبرازيل واسبانيا.
يقول المؤلف « يظل عقيل حالة مبكرة ومتفردة وعلى مستوى عال من الوعي الفكري لقضايا بني قومه ويمثل بأعماله الأدبية نوعا من المقاومة الثقافية المستندة الى الحس الوطني وتأكيد الشخصية القومية»، ويذكر الاستاذ كايد أن الفضل الأول في الإشارة الى هذا الأديب الأردني  مبكرا  يعود الى رائد من رواد الحركة الأدبية الأردنية، ابن الكرك يعقوب العودات «البدوي الملثم» وقد تناول أحد فصول «كاتبون في الضوء» أعمال العودات وابداعاته ومساهماته الأدبية الجليلةفيذكر الأستاذ كايد في كتابه  أن يعقوب العودات «كان من أغزر أدباء الأردن الرواد إنتاجا في الكتابة والتاليف، ومن أكثرهم اتصالا بالأدب والأدباء في العالم العربي والمهاجر، حتى أن صديقه الكاتب المصري وديع فلسطين يصف مكتب العودات بأنه كان:شبه محطة إذاعية أدبية، فيه تنصب جميع أخبار الأدباء المتناثرين في أنحاء العالم فضلا عن قيامه بأعمال السفارة الأدبية في تعريف الأدباء بعضه ببعض وفي عقد الصلات بين المشتغلين بالأدب».
ومن مؤلفات العودات الهامة والموسوعية، يذكر الأستاذ كايد موسوعة «الناطقون بالضاد في أمريكا الجنوبية « والتي طبعت عام 1956 في حوالي 800 صفحة وموسوعته الثانية التي طبعت بعد وفاته بعنوان «من أعلام الفكر والأدب في فلسطين» بالإضافة الى كتابه «رسائل الى ولدي خالد « الصادر عام 1970 وقد جاء على ذكره الأستاذ كايد في معرض حديثه عن أعمال وأدب المراسلات الأدبية  عند العودات وغيره من الأدباء الأردنيين والعرب أمثال: رسائل شاعر الأردن عرار في كتاب «أوراق عرار السياسية»لمحمد كعوش  ورسائل تيسير سبول الى بدر عبد الحق «السيرة الغائبة» و»أوراق تتكلم  وروكس العزيزي ورواد عصره وأيضا شباب الأردن في الميزان» لكايد هاشم  و»زهرة العمر «لتوفيق الحكيم ورسائل السكاكيني لإبنه «سري» ورسائل المستشرق المجري الراحل الحاج عبدالكريم جرمانوس الى عيسى الناعوري «ورسائل نازك الملائكة الى الناعوري «تحقيق ونشر تيسير نجار وغيرها.
لقد عرف مؤلف «كاتبون في الضوء» العديد من شخصيات مؤلفه هذا كعيسى الناعوري وسليمان الموسى وماجد غنما ومفيد نحلة وأمينة العدوان ويعقوب العودات وفيصل غرايبة ويوسف بكار، وآخرين لم يسبق أن التقى بهم لكنه وكما يقول الأستاذ جميعان في تقديمه للكتاب: « صحبهم في نورانية الحرف والكلمة، فاستحضرهم في كتاباته شخوصا وأفكارا بأريحية فياضة من قلمه،ففتح من حيواتهم وقبس إلهاماتهم مسالك لم تكن مألوفة، ومنعرجات لا يتقن السير فيها إلا ذو حس بليغ بالفكرة والشعور الكامنين في عباءة السطور وما وراءها».
يقولون إن في ترجمة الشعر خيانة له، وأقول إن في تقديم ملخص لأي فصل من فصول أي كتاب خيانة له أو هو على الأقل إساءة لا تغتفر، لهذا فإنني أترك للقاريء الأردني والعربي فرصة قراءة هذا المؤلف ليمتعوا أنفسهم بما جاء في فصوله المتنوعة، والتي شملت مجموعة من الرواد الاوائل في الأردن وأدباء ومفكرين من العالم العربي وهم: حسن الكرمي وعقيل أبو الشعر وعيسى الناعوري والطيب صالح ويعقوب العودات وجبرا ابراهيم جبرا وسليمان الموسى وماجد ذيب غنما ومفيد نحلة والشابي ود.يوسف بكار ود.عصام سخنيني ود.فيصل غرايبة وتيسير سبول وأمينة العدوان وقاسم أمين.
لقد استطاع الأستاذ كايد هاشم وببراعة الباحث المجتهد أن يزود مكتبتنا الأردنية والعربية بمؤلف هام   فهو وإن تناول بالتفصيل الشخصيات الرئيسية لموضوع كتابه إلا أن كتابه كان زاخرا بأسماء أعلام أردنيين وعرب وبذكر للعديد من المجلات والصحف الأردنية والعربية.
أخيرا وأنا أهنيء المؤلف على كتابه القيم هذا فإنه يخيل الي أن هذا الكتاب لن يكون الفصل الأخير في مؤلفات الأستاذ كايد هاشم عن أعلام الفكر والثقافة وأنه سيواصل الكتابة عن أعلام ورواد آخرين في مؤلفات قادمة، متمنيا له كل التوفيق.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش