الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

ترّجل وفي نفسه شيءٌ من حتّى

تم نشره في الجمعة 29 أيار / مايو 2015. 03:00 مـساءً

 عبد الستار الكفيري *
من بين الأسباب التي تدعو المرء لاستعادة رمزية أحد أعلام الفكر والأدب، شأن العلاّمة الراحل حديثا، الدكتور ناصر الدين الأسد، أنه ظلّ وفيّا طوال سنّي حياته، لقضية اللغة العربية، ليس من موقعه كمتخصص في ميدان الأدب العربي، قارئاً له، ومفكراً به، وناقداً له، وحسب، بل بوصفه أحد الذين راهنوا على مقدرتها على مواكبة روح العصر، ومسايرتها لعلومه، والتعبير عنها، كما قال لي ذات حوار، في الوقت الذي هَجَر كثير من أهل العربية لغتهم، وحطّوا بألسنتهم، في رحال لغات أخرى، تبرّما من لغتهم الأم، أو لربما بسبب من الشعور بالنقص، إزاء ما حملته تلك اللغات من فتوحات معرفية على صعيدي الإتصال والإعلام، ومعها أنماط تفكير عابرة للحدود.
رمزية الأسد، لا تقع حصرا، ضمن هذا المستوى وحسب، ولكن تداعيات اللقاءات مع أناس بعينهم، تفرض على الوجدان، أن يطلق لدمه العنان، في شريان التفكير، حيال قضية ما، وهي هنا، ومعي، حين جالسته، قضية اللغة العربية، التي كانت بدورها، ولا تزال، تندب حظّها العاثر، بين معشر من هم أولى بالدفاع عنها، وهم أهلوها بلا أدنى ريب.
ربما يكون دفاع المرء عن لغته وعن لسانه، ضربٌ من الإنحياز إلى الذات، غير أن هذا لا ينحط لكونه تعصبّا أبلها، لقضية ينظر إليها البعض بوصفها قضية هامشية، يشّح نفر المدافعين عنها، وتتعاظم في مقابلها دعوات إبدالها، أو الإستعاضة عنها، بلسان أعجمي، وعند هذه اللحظة، تشتبك الذات مع الموضوع، كدأب الأسد في دفاعه عن لغته، في بثّ طاقات اللغة وقدراتها على تلبية متطلبات العصر وعلومه.
أخذ الأسد على دعوات استخدام العاميّة بديلاً عن الفصيحة، طريقة نطقها، وعدم التزام اللهجات الإعرابَ في أواخر كلماتها، والتي أخذت بالتقارب مع الفصيحة بسبب انتشار التعليم، وبسبب بعض وسائل الإعلام، غير أنّ مآخذه تلك، لم تجعل من موقفه غير المتشددّ منها ممّرا شرعياً لإبدالها بالفصيحة، تحت دعوات إحيائها!
يخيّل إليَّ أن الأسد لم يرحل، عن عمر فاق التسعين بثلاثة أعوام، وهو راض عن حال لغته، بقي في نفسه ما لم يقله، لا إعياءً في فصاحته، أو طعناً في جرأته، بل ربما رثاءً لحالٍ، تمكّنَ منها المحال.  
*كاتب وباحث من الأردن

 

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش