الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

وداعة طفلة

تم نشره في الجمعة 13 أيلول / سبتمبر 2019. 01:00 صباحاً


حنان شاهين/ مصر
(1)
أبي... أريد الذهاب معك إلى الحقل.
قلت له حين كان ذاهبا ليروي حقل الذرة..
أود اللعب بالشعيرات الذهبية الغضة التي تنسدل من قناديل الذرة الخضراء..
 ابتسم لي..
على رأس الجدول الصغير كانت تهدر ساقية، تدور حولها بقرة معصوبة العينين، البقرة تدور حول الساقية ، الساقية تدورحول نفسها، أعطانى أبي عصا و أمرني أن ألكز البقرة كلما توقفت أحثها على مواصلة الدوران، تركت العصا جانبا وجلست أعلى الجسر على بعد خطوات من الساقية أحدق فى البقرة التي ما إن توقفت حتى اقتربت منها لا لألكزها كما أمرني أبي و لكن لأمسح ـ إشفاقا ـ على ما طالته يدي من ساقها لكنها لم تمهلني، طوحت بقرنيها وأطاحت بجسدي الصغير الذي تدحرج على شفا بئر الساقية، كدت أموت غرقا و دهشة، لماذا نطحتني؟
ـ لإنها بقرة!
جفف أبي ملابسي المبتلة و عاد بي إلى أمي.
(2)
أمي:
 تركض خلف دجاجاتها في الحظيرة و بعد عدة محاولات تتمكن من الإمساك بواحدة من بين عدة دجاجات سيأتي دورهن تباعا فيما بعد ذاك أن أبي يفضل لحم الدجاج و أمي تفضل إبتسامة أبي.
 تشحذ سكينها، تذبح الدجاجة التي كانت منذ برهة تنفض بجناحيها و تصيح هلعا فيما كان الديك الوحيد في الحظيرة يصيح بأعلى صوته تضامنا معها لكن ...
كان قدر الماء يغلي فوق الوابور المستعرة فوهته في انتظارها.
تلحظ أمي هلعي من مشهد الذبح فتأمرني باللعب خارجا، أخرج لا للعب بل لأجلس في أسى على مصطبة أمام البيت، تمر قطة مسرعة وقد تدلت من فمها أمعاء الدجاجة التي ألقت بها أمي مع الريش خارجا،
«خلق الدجاج ليذبح» هذا ما قالته لي أمي
 أحمد الله أنه لم يخلقني دجاجة.. هذا ما قلته في نفسي.
في تلك الليلة رأيتني في قفص و سكين كبير في يد أمي تمتد نحوي، تهم بذبحي، فزعت من نومي صارخة لست دجاجة.. لست دجاجة.
ضمتني أمي إلى صدرها، كنت ما زلت أرتعد منها فيما تمتم هي ببعض الآيات محاولة تهدئتي حتى لا يستيقظ أخي.
(3)
أخي:
كان يهوى الصيد، يأخذ ملء قبضة يده من الصلصال الرطب و يصنع به تجويفا، ثم يملأه بنوع من الديدان كان يجلبه من حواف الترع والمصارف، يغلق التجويف ويضع كرة الصلصال التي تموج الديدان بداخلها في سلة مصنوعة من الخوص مع خيط و سنارة ، يحمل السلة بيد و باليد الأخرى يمسك بقصبة طويلة جافة من نبات البوص ويمضي ذاهبا.
يتحين وقت الظهيرة، لا أدري لماذا..
يمضي بمحاذاة المصرف الكبير يتوقف من آن لأخر يحدق في الماء لبرهة ثم يواصل سيره حتى يروق له مكانا فيجلس و يضع سلته إلى جواره، يصنع فتحة صغيرة في كرة الصلصال و يخرج واحدة من الديدان (الطعم) و يثبتها فى رأس السنارة.
يظل يصفر ويصفر وهو يتابع النظر إلى غطاء قلم الألوان الأحمر العائم على صفحة الماء والذى يستخدمه كإشارة تنبيه.
لحظة يغمز غطاء القلم يسحب أخي السنارة من الماء بخفة مستبشرا ببلطية بحجم الكف، فإذا بقرموط ينتفض على الأرض، يحاول أن يزحف بإتجاه الماء ، يسرع أخي لإلتقاطه فيقبض على رأسه بقوة فيما يطوح القرموط بذيله محاولا الإفلات عبثا من قبضة يد أخي المتمرسة، يسحب رأس السنارة المنغرس في فمه ليس إشفاقا و لكن ليلقيه في السلة التي يحرص على إغلاقها في كل مرة يحظى فيها بصيد جديد.
كان قد اصطحبني في ذات مرة وكنت قد جلست إلى جوار السلة في وداعة ظاهرة و مكر خفي لبعض الوقت على أخي الذي عاد في ذلك المساء بغيظ كبير وسلة صغيرة خاوية إلا من رائحة الأسماك التي كان قد اصطادها بالفعل و التي ربما حظيت بفرصة ثانية للحياة.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش