الصفحات
الكاملة
تيوب
الدستور
رسالة جلالة
الملك للدستور
موقع
زوار الأردن
موقع
جلالة الملكة
موقع
جلالة الملك

خارطة المستقبل في رواية «الإسكندرية 2050» لصبحي فحماوي

تم نشره في الجمعة 6 أيلول / سبتمبر 2019. 01:00 صباحاً

أ‌. د. سوسن ناجي- جامعة المنيا
يرسم « صبحي فحماوي» خارطة المستقبل لمدينة الإسكندرية، هادفاً استباق الواقع بالاتكاء على مرجعيات الخيال، وما يمكن أن يصل إليه من تصورات خارقة للعادة!.. وهذا في حد ذاته يعد «تحفيزاً للذاكرة البشرية في أن تنسلخ من الواقع وتترحل عبر رؤى متعددة تعطيها مجالاً للكشف والتلذذ، حيث القراءة مع المتعة».
إن تجربة الدمج بين النبات والحيوان والإنسان- جينيًا: «فتح المجال للترحل من الواقع، وحمل المتلقي على كسر أفق التوقع والانتظار، سعيا وراء ما تنتجه التركيبات اللغوية التي تتأسس على الانحراف السياقي من معاني ودلالات لا يمكن أن تكون إلا عبر التخيل، وربط الواقع بما وراء الواقع».
ويتجلى الصراع بين الخيال والواقع- رمزيا- في تلك العلاقة الجدلية بين الأب «مشهور شاهر الشهري» والابن «برهان»، حيث لكل منهما حلمه الدال على ماهية ارتباطه بالواقع، فإذا كانت أحلام الأب تنحصر في العودة إلى مرافئ الطفولة والصبا ( فلسطين/ الاسكندرية) حيث الماضي والذكريات؛ فإن أحلام «الابن» تنحصر في إنجازاته العلمية (أبحاث الهندسة الوراثية) بصنع إنسان المستقبل، إنسان أخضر.. مسالم.. بلا غرور.. بلا صراع..
ويسترجع الأب «مشهور» ذكرياته... ذكريات الوطن والأهل والتي تتأرجح وتتردد في خياله، يقول:
«نعود إلى عكا القديمة، فيستقبلك أسباطك وأطفالهم، أحفاد سمر- ابنته- تقبل بوابة عكا الخشبية، وتمشي معهم في حواريها وأزقتها».
وتنطلق أحلام كل من الأب، والأبن في الرغبة في الخلاص، أو بأن شيئا ما في هذا الواقع لابد أن يتغير.. بينما ينطلق الخيال العلمي من جدلية الرغبة في تغيير هذا الواقع، يكشفه أو تغييره..
إن خروج الروائي عن المألوف -هنا- يعد استفزازاً للعقل العربي، وخلخلة لثوابته الذهنية؛ لكي يهاجر- بالخيال- إلى فضاءات مواكبة العلم والابتكارات، مواكبة فضاءات الحب والموائمة مع النفس؛ لنبذ التشرذم والإحساس بالدونية، ومواكبة خطى العالم في دنيا الابتكارات المبهرة..
واستراتيجية الروائي في هذه الرواية -مشروعه- لكونها تحرض على تجاوز التردي القائم في الواقع ؛ بنقده والمراهنة على البديل، في ظل خلق جدلية أسلوبية سردية هدفها هو مناورة أفكارنا الثابتة، وإثارة عقولنا الساكنة..
هكذا يؤسس الروائي «صبحى فحماوي» للحظة جديدة تحفل بعناصر تجريبية، تذهب بالنص الروائي، إلى فضاءات جديدة، تخلخل ثوابت القديم والراكد إلى درجة الرسوخ، على أمل الشروع في بناء التغيير الحقيقى (للأمس) والإنطلاق إلى غد أكثر رحابة...
 جماليات الفوضى
«وهل صحيح أن آدم وحواء كانا قد نزلا إلى الأرض بمركبة فضائية من تلك الأطباق الطائرة التى يتحدثون عنها قادمين من كوكب آخر، ونظرا لخلل فني في مركبتها، علقا على الأرض فلم يستطيعا العودة إلى كوكبها البعيد فقعدا على هذا الكوكب ملومين محسورين وبقي أحفادهما حتى يومنا هذا معقدين مكتئبين.. ولا يشعرون بالسعادة مهما امتلكوا بسبب غربتهم عن وطنهم الأم في المكان البعيد»
تتخلق جماليات الفوضى في الرواية من تحطيم المنطق السببى، واستبداله بمنطق اللاوعي والمتشابك المعقد؛ المنفلت من العلاقات الوصفية إلى العلاقات الابداعية» العلاقات التى لا تصور الواقع بقدر ما تخلقه ؛ لذا فهي علاقات ديناميكية متنامية، انتهاكية انزياحية متوحشة، تبدو وكأنها اجتياح وامتلاك للنصوص والذاكرة والتاريخ، امتلاك للأزمنة والأمكنة.. إنها كتابة تلتهم كل شيء وتستبطنه، وتحتويه؛ لتقدم في النهاية نصاً وحشاً، هجيناً بقدر التهامه للنصوص والثقافات والأجناس الأخرى..
ويصف «مشهور شاهر الشهري» المجتمع المصري، قائلاً: «مجتمع متكاتف متباغض متضامن متنافر محب كاره طيب حلو المعشر! وكل منهم يزور السيد البدوي لغرض في نفس حسنين!».
والفوضى التى أعنيها - هنا – موظفة لكونها تنطلق من رؤية - ذات  طبيعة دلالية- لتكون مرآة تعكس فوضى المجتمع، وفوضى العالم، فعلى المستوى السطحي تعكس التشرزم أو التشتت، لكن على مستوى البنية العميقة تنطلق من رؤية مغايرة، تعتمد استراتيجية الهدم والبناء، لتؤسس مفهوما جديداً للكتابة التي لا تعير اهتماماً للتصنيفات المسبقة، أو الفروق الجاهزة بين الأنواع والأجناس، بين السردي والشعري، لقد أصبح النص لا يعرف الحدود ولا يعترفوا بها.. فأغاني الصيادين تمتزج بحديث الراوي، ولغة أهل الحارة تمتزج مع أهازيج الفلاحات، يقول: «في الليلة الأولى من إقامتك رحت تسمع طبولاً وأغاني حفل.. وفي وسط الجمع، تشاهد شاباً نحيلاً بملابس وطاقية صيادين بحري... ويصيح بأغنية أي كلام، ويقول كلاماً فارغاً:
«حماده معاه ده/ عبدنى عباده/ وجماعته فرادى/ صايرين في زيادة/ وتعالى يا حبيبى/ أعمل لك داده!».
فترد عليه الراقصة بالغناء المغناج:
«وبياع الخضار/ حبـه جبــار/ وعليّ بيغــار/ في الليل والنهار/ وملّى لي الـدار/ صغـار وكبار/ خلو لي عيشتب/ عــذاب ومرار».
والروائي هنا- لا يرتاد التجريب وابتكار عوالم مختلفة؛ بل يستثمر هذه العوالم في إطار تقنيات تتجاوز المألوف، بداية من أسلوب السرد والذي يقدمه لنا الرواية، عبر مشاهد من أزمنة متباينة، لكنها تُقدم في إطار لوحات، كل لوحة تستقل بعنوانها وأنماط خطابها، وبتكسير الزمن فيها لتتشظى إلى فسيفساء متناثرة، تنطوي كل منها على ألوان شتى من التتناصات واللهجات التي تحكي عن هذا العالم الافتراضي.
يقول الأب «مشهور»:
« خروجك في الإسكندرية لا يختلف عن خروج آدم من الجنة، بعده حدثت لأدم لوثة دماغية، أو فوضى حواس، أو غموض في الرؤيا.. وهذا ما حدث معك، فلم تستطيع لملمة شؤونك.. أول الأهداف بعد النكسة هو عودتك إلى أهلك في فلسطين..».
هكذا يؤسس «صبحى فحماوي» – في رواياته- لكتابه تقوم على سيرورة تهجينية، حيث يتوازى فيها النص الروائي مع كل الأجناس، بل تتجاور في انزياح نوعي بصورة تجعل النص الروائي في النهاية لا ينتمي إلى اي نوع أدبي دقيق ومحدود، لأنه أصبح نصاً يضم العديد من الأجناس بفعل سيرورة التهجين.. والعلاقة بين كل هذه الأجناس معا لا تخضع سوى لمبدأ التجانس الكوني الذى يعتمد على تأسيس الروابط بين الأفعال التى لا رابط بينها...
ويصف الأب مشهور كيف أصبحت الحياة في الإسكندرية عام 2050، يقول:
«تنطلق المركبة الجوية سابحة في الفضاء، والمرأة الآلية تقودها وتتحدث معنا، وإذا سألها أحدنا تجيب بقدر السؤال، تخرج علبة دوائك وتبلغ حبة مقوية لمفاصلك التى تؤلمك بسبب السفر، ثم تسألها عن المكان الذى نحن فيه، والمكان الذى نتجه إليه، فتجيبك بانضباط وصوت رقيق، ولكنه يخلو من الروح، ومن حيوية حرارة المرأة..».
 توظيف التكنيك السينمائي
كذلك لم يفلت الشكل الروائي- عند صبحي فحماوي- من توظيف التكنيك السينمائي، والافادة من منجزات العلم والتكنولوجيا فكانت رواية الاسكندرية بمثابة اللغة التي تسابقت إليها هذه الفنون والعلوم المختلفة، من حيث الوقوف عند التفاصيل الدقيقة، والايحاءات الخاطفة، أضف الى طرح عدة مناظير للرؤية... وهي مجموعة من الألوان التكنيكية التى من شأنها التعبير عن الحركة الخارجية من خلال تحرك الصور زمانيا ومكانياً، وقطع الحديث من آن لآخر بين الشخصيات، والتداخل بين الأزمنة بلا رابط منطقي، والاستعانة بالتداعي الحر في أو القطع، في الارتداد الى الوراء أو الاسترجاع... وبدا هذا واضحًا في تجاوز الأزمنة والأمكنة والمشاهد لديه وكما أشرنا آنفاً.
فالنص هنا يسير بالمتلقي إلى مناطق وعوالم مجهولة، سواء في الماضي أو المستقبل، بل يدعوه إلى التخلص من كل ما يعرفه من أجل اكتشاف معرفة جديدة ورؤى جديدة.
يقول الأب «مشهور»، واصفا الاسكندرية الجديدة وما تحمل من الرؤى المدهشة الجديدة: «عند بوابة مبنى المطار، تقف العربات الفضائية الهيدروجينية، تحمل الركاب تم تطير بهم في الجو، تقود مركباتنا الكهربائية المحملة بحقابنا، فنصل إلى العربة التي ستقلنا، تتقدم امرأة آلية باسمه، فتضع حقائبنا في العربة، ويقفز «كنعان» بخفة محتضنا «كلبه» ذا الشعر الأخضر الغزير الى صندوق العربة، ويتبعه برهان الذي تمسك المرأة الآلية بيده، ثم تجلسك بهدوء إلى جوارهما، وبضغطة ذر من يدها الآلية، تغلق علينا باب القمرة، وكأننا نجلس في مركبة فضائية».
فالنص هنا إن كان يمزج ويخلط بين أساليب سردية وصور شعرية فهو في حالة انزياح نوعى حيث ينطوى على دينامية تجعل النص في صورة الوحش الذي يبتلع ويفترس رموزا وأساطير، أديانا وثقافات، تواريخاً ونظريات علمية ليبدو في النهاية وكأنه يتوالد الى ما لا نهاية  لتفسير العالم، واحياء الذاكرة.
الرواية – هنا على سبيل المثال- مكونة من ثماني وثلاثين لوحة / فصلاً، كل لوحة تنطوي على قصة متوالدة من قصص أخرى، ويستمر هذا التوالد على مدار باقي اللوحات وتتشعب منها لتدور في فلك القصة الإطار، التى تتصدر الرواية، بضمير الراوى الـ نحن، يقول هذا الراوي الجماعي والذي يتحدث في صدر الرواية: «نحن شبكة انتاج متخصصة بالتجسس على عباد الله، منذ لحظة الولادة وحتى لحظة الوفاة وبناء على معلومة تقول: «إن المحتضر يتهالك على سريرة خلال الساعة الأخيرة من عمره، فيتذكر كل ما مضى، ويستعيد ذكرياته من المهد إلى اللحد فتمر الأحداث كلها مضغوطة في مخيلته بسرعة مذهلة يتذكر فيها كل شيء وكأنه يعيش الآن، فإن عملنا يقوم على تسجيل رقمى لكل ما يدور بخلد الإنسان في تلك اللحظات الفاصلة». «وما نشفطه من ذكريات وأفكار وخيالات ماضية في ذهن الرجل، ونسجله على قرص مدمج، مدهش حقاً، تستطيع أن تسمعه بسهولة ويسر على جهاز الخلوي.. فتفضل يا عم.. اقرأ ما سجلناه وحررناه، على شكل رواية مدهشة استطعنا أن نوثقها ونبوبها ونرتبها طباعياً، في الشريحة المدمجة التالية» «.
وهكذا تمثـّل الروائي صبحي فحماوي المنجز الحضاري فأنجز لنا نصاً منحازاً لقضايا الإنسان والإنسانية، فكان «جيل الخضر حلما بديلا، لكنه أيضا بديلا موضوعياً للحروب والشرور التى تسود العالم بإحلال بشر خضر يتمتعون بالرقي والنقاء والقدرة على إعمار الكون، في إطار حياة متصالحة بلا صراع «وكأن تطهير العالم لن يتأتي إلا بتذويب الفروق بين البشر والحضارات. وإنتاج إنسان أو حيوان (أخضر)» رمز السلام- لا يعتدي على البيئة.
والروائي بهذا يقدم حلماً مشروعاً، ولكنه في ذات الوقت يومض بالحلول والتى تكمن في «الذاكرة» وما تحمل بين طواياها من أحلام ومخاوف، وإذا كانت الأحلام بإحلال هذا البديل الموضوعي لما هو قائم- فالمخاوف أيضا تبقى من الفناء جراء الحروب والكوراث التى ستنهي الحياة على وجه الأرض؟ وجراء التعدي على البيئة.
لذا فالرواية تقدم ايضا إنذاراً وتحذيراً من نهاية الكوكب، تقول إلزا: «إنهم يعدمون الأرض وما عليها! إنهم يتجاهلون هذه الأم، التي لولاها لما كانت لهم حياة.»(30) وفي الحلم والتحذير إشارت – لا واعية - بالخطر الذي يتهدد الإنسان على وجه الأرض.. لإحلال التغيير.. وتدارك الخطر قبل الفناء.

رئيس مجلس الإدارة: محمد داوودية - رئيس التحرير المسؤول: مصطفي الريالات - المدير العام: الدكتور حسين العموش